حين تكون بلا خبرة في قيادة الدول وتعميك الآيديولوجيا عن الاقتصاد، ويشغلك الاستحواذ على السلطة عن هموم الشعب وحقوق الناس الصغيرة ومشاغلهم اليومية ولقمة عيشهم تتحوّل مبادؤك الآيديولوجية إلى جرائم بمعنى الكلمة وشغف الاستحواذ يصير مكمّلاً لهذه الجرائم لتصبح بمستوى سبق الإصرار والترصد. كان فظيعاً ما جرى في بورسعيد قبل يومين من قتلى بالعشرات ومصابين بالمئات وفوضى عارمةً لم يكن لها من حلٍ سوى نزول الجيش للشوارع في بورسعيد وبعض المدن والمحافظات المصرية الأخرى، ولكنّ هذه هي نهاية تلك القصة لا بدايتها، والنهايات الدامية في مثل هذه الظروف غالباً ما تكون مؤذنةً ببداياتٍ لقصص أكثر دموية وأشد ألماً. القصة بدأت العام الماضي 1 فبراير إثر مبارة كرة قدم في مدينة بور سعيد قتل فيها وجرح ما يزيد على مئة وسبعين مواطناً، ثم ألقي القبض على عشرات المتهمين واستمرت التحقيقات أشهراً وأخذت المحكمة وقتها، وجاء صدور الحكم يوم السبت الماضي بإحالة أوراق 21 متهماً إلى المفتي ما يعني حكماً بالإعدام فثارت بورسعيد لأنّ البعض فيها رأى في هذه الأحكام محاباةً لجماهير النادي الأهلي القاهري، أو اتقاءً سياسياً لشرّهم، فقتل في هذه الاحتجاجات –ويا للمفارقة- ما يزيد على ثلاثين شخصاً وأصيب المئات! أساس المشكلة في مصر أنّ أحداً لم يعد يثق بالدولة نفسها، ولا بمؤسساتها، وهو أمرٌ بدأ تصاعدياً منذ 25 يناير 2011 حيث أصبحت الفوضى والاضطراب خياراً شعبياً وأصبحت النخب تدفع باتجاهه، وصار البعض يطرح بعد كل حوادث كبرى يجري فيها قتلٌ بأنّ هذه ضريبة الانتقال للديموقراطية وهو حديث مؤذ حين يصبح النظر لأرواح البشر مجرد ضريبة لا أقل ولا أكثر، فضلاً عن أنّه حديث مبتسر وغير علمي في تناوله لمفهوم بحجم مفهوم الديموقراطية. أكثر من هذا أنّ الفصيل الذي فاز برئاسة الجمهورية، وهو هنا جماعة «الإخوان المسلمين»، ركّز كل جهوده على الاستحواذ على كافة أنواع السلطة، واستبعد كل المكوّنات الوطنية الأخرى من أحزاب وطوائف وتيارات، فأجرى إعلاناً دستورياً مكمّلاً سيطر فيه على كلّ سلطات الدولة، ثمّ كتب دستوراً «إخوانياً» أصولياً بانفراد كامل، وحاصر وهاجم المؤسسة القضائية في أعلى تشكيلاتها وهي المحكمة الدستورية، واحتل منبر الأزهر رغباً ورهباً وحاصر وهاجم المؤسسات الإعلامية ومدينة الإنتاج الإعلامي أكثر من مرة، ودفع أتباعه لاستخدام العنف الدموي حين وصلت الأحداث لقصر الاتحادية، وبرر بعض أتباعه علناً ذلك الفعل، واستتبع مؤسسات الدولة تحت قيادته لخدمته وحده وجعلها تتجاوز عن ملاحقة المجرمين في تلك الأحداث فضلاً عن محاكمتهم مع توافر مقاطع الفيديو والصور التي توضح استخدامهم لكافة أنواع الأسلحة ضد المحتجين. إنّها رسالة واضحة لعموم الشعب وعامة الناس بأنّ مؤسسات الدولة غير جديرة بالاحترام وأن الحقوق تؤخذ بالقوّة، وهو تحديداً وصف الفوضى التي تتجه لها البلدان حين تفقد الدولة قيمتها، وتفقد مؤسساتها هيبتها، ويتجه اقتصادها للفشل الذريع، ويعتقد فصيل واحد أنّه قادر على إخضاع الجميع. من هنا قرأ مواطنو بورسعيد حكم الدولة على أبنائهم وتركها لغيرهم من مؤيدي الجماعة الحاكمة والحزب الحاكم، ومن هنا تخرج جماعات مثل جماعة «البلاك بلوك» تستخدم القوّة والعنف للدفاع عمّا تراه مطالب مشروعة لها، بمعنى أنّ ما تصنعه جماعة أو حزب وتبرره لنفسها من كسر القانون واستخدام العنف، لن يؤدي إلا إلى أن يستخدم الآخرون نفس الطريقة وذات الأسلوب، لتحلّ شريعة الغاب ومنطق القوة بديلاً عن شرعة القانون والدستور وقوة المنطق، وتضيع الدولة. كان من أهمّ وأخطر ما اقترفته جماعة «الإخوان المسلمين» في السلطة أنّ حجم الغرور السياسي في التعامل مع الفرقاء السياسيين وضخامة الاستعلاء الآيديولوجي على كافة مكوّنات المجتمع الذي لطالما ترتبّت عليه الجماعة طويلاً، وتشتت صناعة القرار داخلها بين المقطّم والاتحادية، والاهتمام بزرع عناصر الجماعة في عصب مؤسسات الدولة، والغفلة عن أن توفير الدولة لحاجات الناس الضرورية لا تؤمنها الآيديولوجيا بل الاقتصاد، وأن حقوق الناس الأساسية لا حقوق أتباع الجماعة فحسب هي مسؤولية الدولة، كانت هذه مجتمعة وصفة سحريةً اعتمدها الإخوان لإحداث انقسام حاد في بلد كمصر لم يزل موحداً منذ قرون ولوضع مصر على قضبان التوجه المباشر لتصبح دولة فاشلةً. لم تع الجماعة أن إدارة الدول ليست مثل الآيديولوجيا تتحرك بين خطّي الأبيض والأسود أو الحق والباطل، ولكنّها يجب أن تتعامل مع حقوق بشرٍ تتقاطع وتتشابك وتتعارض، وهي حقوق ما لم تقس بميزان أدق من ميزان الذهب، يمكن في أي لحظة أن تنقلب لفوضى شاملة واضطرابات كبرى، وهو تحديداً ما جرى في قضية بورسعيد، حيث اصطدمت جماهير غوغائية ببعضها وأصبح كل طرف منها يعتقد أن الحق معه ويسعى لأخذ حقه بيده أو بفعله أو بقدرته على الحشد والاحتجاج. لم يعد عاقل داخل مصر أو خارجها يردد الأحلام الوردية الساذجة التي كانت تملأ فضاء الفكر والسياسة والثقافة والمجتمع في العالم العربي قبل عامين، فقد عاد هؤلاء العقلاء بخفيّ حنين، خف لكل عام، وأنا أستثني هنا مؤدلجي الإسلام السياسي فآيديولوجيتهم تخرجهم من حساب العقلاء حتى يعودوا عنها، ولم يعد أحد يثق بوعود الإسلام السياسي و«الإخوان المسلمين» فقد أصبح الكذب في تلك الوعود هو الشعار الأبرز الذي أصبح واضحاً ومتداولاً بكثرة في توصيف تلك الجماعات وبخاصة لدى شرائح الشباب الذي كان يسمّى ثائراً في مصر وتونس ومعها ليبيا واليمن. معضلة مصر اليوم لا تقتصر اليوم على حكم جماعة «الإخوان المسلمين» فحسب، بل في الجهة المقابلة عجز المعارضة عن توحيد صفوفها وتنظيم مطالبها وتطوير آلياتها في الحشد، وقبل هذا قدرتها على صنع خطاب وطني جامع تستطيع به الدخول على المشهد السياسي والمجتمعي في مصر بقوة تفرض بها نفسها كمخلص قادر على اجتراح الحلول وطرح المبادرات وأخذ زمامها. كل العزاء لمصر والمصريين في قتلاهم ومصابيهم، ولكن العزاء الأكبر يقدم في مرحلة التيه التي دخلتها بلادهم الحبيبة، والتي رمت الجماعات الأصولية عليها عباءتها وفرضت سيطرتها وسلطتها، ولا أفق في السماء ولا بصيص في آخر النفق.