ربما يكون من المبكر أن نصدر أحكاماً سريعة على نتائج ومآلات موجة التغيير العربي أو ما يُعرف بـ«الربيع العربي»، وقد علقت عدة مرات خلال العامين الماضيين مبيناً كيف أن ما يجري في بعض الجمهوريات العربية لم يقتلع الأنظمة السابقة كلياً... ولو كان هناك استطلاع علمي للرأي يسأل المواطن في مصر: هل أنت أفضل حالا اليوم مما كنت عليه قبل عامين؟ كما سأل ريجان مواطنيه عندما رشح للرئاسة عام 1980 قائلاً: هل أنتم أفضل حالا مما كنتم عليه قبل 4 أعوام، وهي فترة حكم منافسه الديمقراطي كارتر؟ وكان جواب الناخبين الأميركيين انتصاراً كاسحاً لريجان الذي هزم كارتر بشكل مذل. ولا أتوقع أن أغلبية المصريين سيقولون إن وضعهم أفضل اليوم مما كان عليه قبل عامين، وخاصة إذا قارنا بالأرقام حال المصريين اليوم مع حالهم قبل عامين، في ضوء ارتفاع الأسعار وتراجع الجنيه المصري بأكثر من 15 في المئة وتآكل القوة الشرائية ومشكلات الخدمات ونقص إمدادات الكهرباء والوقود، وتردد المستثمر الأجنبي، وتراجع البورصة، وغياب السياحة، وضغوط صندوق النقد الدولي لدفع الحكومة المصرية لاتخاذ قرارات غير شعبية وسط موجة الغضب الشعبي تقضي بزيادة الضرائب على شعب مرهق ورفع الدعم عن السلع لترشيد الإنفاق، للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 4,8 مليار دولار. وإذن فالمشهد المصري بعد عامين من الحراك وبعد أشهر من حكم «الإخوان» لا يبدو مطمئناً، بل لعله يبدو باعثاً على الريبة والتخوف من انزلاق مصر نحو مرحلة الفوضى وعدم الاستقرار وزيادة التطرف... وهو ما نشهده اليوم في الذكرى الثانية لثورة 25 يناير، حيث لم يحتفل بها الشعب المصري بل تظاهر ضدها وضد اختطافها، وكان ملفتاً ما تكرر من رفض «أخونة الثورة»! ولكن هنالك أيضاً من يرى أنه ينبغي ألا نتسرع في إصدار الأحكام على الثورات العربية بسبب عامل الوقت وتعقيدات المسارات الثورية وتشعبها وبطئها وحتى دمويتها. والحال أن مصر وجمهوريات «الربيع العربي» تقف اليوم على مفترق طرق خطير. وبعد عامين من التغيير لا تزال الشعوب تردد الجملة المشهورة في مليونيات التظاهرات «الشعب يريد إسقاط النظام»... فما الذي تغير؟ لم يتغير الكثير في مصر بين 25 يناير 2011 يوم تخلي مبارك عن السلطة للعسكر... واليوم! هناك كثير من الانتخابات وقليل من الحرية، وتراجع مستوى المعيشة بسبب الغلاء وسوء الإدارة والخدمات، وحوادث القطارات والسيارات المميتة وسقوط المباني، ما يجعل وضع المواطن المصري أسوأ اليوم. والراهن أن جمهوريات «الربيع العربي» تمر الآن بمرحلة انتقالية مفصلية حاسمة. وهذه سمة ومحطة من محطات الثورات. صعود نظام جديد، وتتصارع القوى التقليدية والمتضررة مع القوى الثورية، وسرعان ما يصعد المتشددون والمستفيدون ويخطفون الثورة. هل هذا ما يحدث اليوم في مصر؟ وأنا أكتب هذا المقال أتابع منذ ساعات على شاشات التلفزة المواجهات وحال الكر والفر بين المتظاهرين في أكثر من مدينة في مصر بما فيها القاهرة، وخاصة ميدان التحرير، والإسكندرية والسويس وغيرها من المدن المصرية، في الذكرى الثانية للتحول... ومن الملفت أنه بعد عامين يبدو المشهد المصري وكأنه قد تجمد في مكانه... مظاهرات واشتباكات واعتداءات على مبانٍ وجسور وإحراق لمقار ومباني محافظات... والمفارقة الأخرى الملفتة هي ترديد المحتجين والمتظاهرين «الشعب يريد إسقاط النظام»! فلماذا عادت الاحتجاجات والتظاهر والغضب... السبب واضح هناك حالة من الإحباط من المراوحة وتغيير الوجوه وبقاء النهج. ذهب حزب مبارك وأتى «الإخوان»، ذهب العسكر وأتى المرشد... هناك استعجال لقطاف ثمار التغيير الذي يسمونه ثورة... ولكن ذلك القطاف لم ينضج بعد. ومرة أخرى يقول البعض: إن الثورة ينبغي أن تأخذ وقتها، ومراحلها مؤلمة ومزعجة ومحبطة. ولاشك أن حصاد الثورات في مراحلها الأولى ليس وردياً ولا رائعاً... لأن الثورات -وسأستخدم هذا المصطلح مجازاً- تمر بمراحل من حراك ورفض للواقع المعيش الذي فرض نفسه لسنوات، فتنتفض الشعوب مطالبة بالتغيير... وثورة مصر وقبلها تونس وبعدها اليمن وليبيا وسوريا كلها قامت بانتفاضات كسرت حاجز الرهبة والخوف ضد أنظمة قمعية عشش الفساد والمحسوبية فيها، وفقدت أغلبية المواطنين الأمل بأي تغير أو تحسن في المستقبل. فثاروا على التهميش والفقر والجوع وشح رغيف الخبز والكرامة... وجُوبهوا ابتداءً بالعنف فتحولت الانتفاضات من سلمية إلى مسلحة... وبعض الجمهوريات كانت محظوظة بسرعة سقوط الأنظمة الحاكمة وكانت أسرعها في ذلك طبعاً مصر وتونس. والبعض الآخر عاند وجابه ورفض التنحي في انفصام عن الواقع وحالة إنكار له. وأقلهم عناداً ورفضاً وإنكاراً كان علي عبدالله صالح الذي نجحت المبادرة الخليجية في تحقيق انتقال سلمي للسلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي. وأكثرهم وحشية وعناداً ورفضاً كان بشار الأسد الذي لا يزال لاثنين وعشرين شهراً متواصلة ينكل بشعبه ويرتكب المجازر بحقه. وطبعاً القذافي كان من ضمن هذا النوع من الحكام الرافضين والممانعين للتغيير. وحساباته الخاطئة وعناده قضيا عليه وعلى نظامه وعلى أولاده وشرد أسرته. ومراحل التغيير الثوري طبعاً مزعجة وطويلة ومؤلمة. من إسقاط النظام إلى تولي الواقعيين ومعارضي النظام البائد الذين قد يكونون عادة واعين ولكن ليست لديهم الخبرة الكافية في الحكم، لأنهم لم يكونوا جزءاً من النظام الحاكم... فهم أنجح وأكثر خبرة في المعارضة، ولكن ليس في السلطة. وقد تواجه الطبقة الحاكمة الجديدة خلافات في صفوفها، وهنا قد تصعد إلى الواجهة عناصر أكثر حزماً واستعجالاً لنتائج التغيير الثوري الذين يصطدمون مع أنصار النظام السابق فيما يسمى في مصر «الفلول». وأخطاء النظام الجديد الحاكم كحالة «حزب العدالة والحرية» في مصر وفوز مرشحه بانتخابات الرئاسة بعد منافسة شرسة من منافسه هي مثال على هذا الصراع والتخبط. فالنظام الجديد أصدر قرارات كانت ارتجالية وغير مدروسة. من تحصين قرارات بقرار رئاسي من أي مؤسسة أو حكم! وإقصاء النائب العام. والإصرار على الاستفتاء على مشروع الدستور. واستفزاز القضاة وإقصاء العسكر والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، واتخاذ قرارات نظر إليها على أنها أقرب إلى ما كان عليه الوضع في عهد مبارك خاصة في التشدد مع وسائل الإعلام والحريات. ويبدو أن المصريين خلال العامين الماضيين ألفوا الذهاب لصناديق الاقتراع. وقد ذهبوا إليها ست مرات في انتخابات رئاسية وبرلمانية وفي استفتاءات. وفي الشهر القادم سيذهبون أيضاً للمرة السابعة لانتخاب برلمان جديد. ولكن الديمقراطية ليست أيضاً بعدد المرات التي يذهب فيها الشعب إلى صناديق الاقتراع، وهي ليست بالأساس صندوق اقتراع فقط. بل إن الديمقراطية هي ممارسة ونهج وواقع معيش وحريات وعدالة اجتماعية وقضاء نزيه. أخيراً، لاشك أن مصر وجمهوريات «الربيع العربي» تعيش اليوم حالة الوهم الحرجة التي نشهد تجلياتها، فهناك تخبط وفوضى وعدم استقرار من الأنظمة الجديدة وفي المجتمعات الثائرة. وهناك حالة تذمر وإحباط من شعوب تتسرع حصاد نتائج هذا الحراك... والطريق لا يزال شائكاً وطويلاً... ولنتذكر ما قاله تشي غيفارا: «إن الثورة يُفجّرها حالم ويقودها مجنون ويقطف ثمارها انتهازي...».. ولنا عودة إن شاء الله.