في شهر يونيو 1994 التقيت بـ"دونالد ستينبرغ"، عضو مجلس الأمن القومي الأميركي، عندما وصلت إلى واشنطن قادماً من "كيغالي" عاصمة رواندا، لمطالبة الولايات المتحدة بتزويد قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والعاملة في رواندا في ذلك الوقت، بسيارات نقل مصفـّحة لضمان سلامة الجرحى الذين يتعرضون لخطر القتل أثناء عمليات إجلائهم. وقد شعرت من خلال حديثي مع "ستينبرغ" بأنه يؤمن بأن هناك عملية "إبادة جماعية" تجري على قدم وساق ضد الروانديين من قومية "التوتسي". ولكن على الرغم من إيمانه بذلك، إلا أنه كان حريصاً على عدم استخدام هذا التعبير، لأنه كان يعرف أن تعبير "إبادة جماعية" على وجه التحديد يرتب التزامات قانونية على الدول، التي وقعت على المعاهدة الخاصة بمنع جرائم الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها (1948). ونظراً إلى أن الولايات المتحدة، كانت قد قامت (بعد المهانة التي تعرضت لها في الصومال 1993) باتخاذ قرار بالحد من تدخلاتها العسكرية الخارجية، وقصرها فقط على التدخلات الهادفة إلى حماية مصالحها الأساسية في العالم، فإنها لم تكن راغبة في التدخل لوضع حد لعمليات الإبادة الجماعية التي كانت تتم في رواندا في ذلك الوقت.
وفي شهر أغسطس 2004، وافق الكونغرس الأميركي بالإجماع على قرار بوصف ما يحدث في "دارفور" بأنه يمثل عملية "إبادة جماعية". ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، حيث قام "كولن باول"، وزير الخارجية الأميركي في 9 سبتمبر بالإدلاء بتصريح أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي قال فيه بالحرف: إن هناك عمليات إبادة جماعية قد وقعت، بل وربما لا تزال تقع حتى الآن في دارفور".
ويمكننا في هذا السياق القول إن التطور الذي حدث في مفهوم "الإبادة الجماعية"- على الرغم من أنه قد اصطبغ بصبغة انتهازية سياسية واضحة- يعتبر مع ذلك تطوراً شرعياً وفقاً للقراءة الدقيقة لقانون العقوبات الدولي.
فلكي يتم وصف المجازر التي ارتكبت في دارفور بواسطة الميليشيات الموالية للحكومة، بأنها تمثل عمليات "إبادة جماعية" وفقاً للتعريف الوارد بشأن هذه العمليات في المعاهدة التي سبقت الإشارة إليها، فإن هذه الأعمال يجب أن تكون ناتجة عن نية مبيتة لإبادة مجموعة قومية، أو عرقية، أو عنصرية أو دينية بشكل جزئي أو كلي". وفيما يتعلق بحالة "دارفور"، فإن هؤلاء الذين يدافعون عن استعمال مصطلح "الإبادة الجماعية"، يؤكدون أن التصرفات التي تمت على أيدي الميليشيات "العربية" كانت تهدف إلى إبادة القبائل "الإفريقية" التي تعيش في السودان.
ولكن المنطق الذي تقوم عليه هذه الحجة، يفترض وجود سودان يقيم به سكان يمثلون عنصرين هما: السود والعرب، كما أنه يعني في نفس الوقت أن مفهوم العنصر، بمعناه البيولوجي، والذي تم التخلي عنه منذ عدة عقود، يعود إلينا الآن تحت ذريعة التفسير الحرفي -الخارج عن سياقه التاريخي- لنصوص معاهدة دولية.
ويمكن الرد على الاعتراض القائل إن استخدام مفهوم العنصر لا ينطبق على الحالة في "دارفور"، بالقول إن هناك أعداداً كبيرة من السودانيين أنفسهم، يتبنون رؤية موحدة تقريباً يمكن تلخيصها في أن الصراع في "دارفور" ناتج في الأساس عن التقسيمات العنصرية القائمة في المجتمع السوداني.
وفي الحقيقة أنه ليس هناك مجال لإنكار أن فكرة العنصرية تعتبر من الأفكار السائدة في السودان، تماماً مثلما هي سائدة في الولايات المتحدة الأميركية ذاتها على اعتبار أن الدولتين لهما تاريخ في العنصرية والرق. وعلى الرغم من أن تلك الحقيقة وحدها، لا تدعم الحجة القائلة إن التصنيف العنصري للسكان أمر له علاقة بالحالة في "دارفور"، لا أنها مع ذلك تشير بشكل واضح إلى التأثير الضار الذي تمارسه تلك التصنيفات على القرارات السياسية في الدول ذات التاريخ في العبودية.
ويجب علينا الاعتراف في هذا السياق بأن فرضية "الإبادة الجماعية" في "دارفور"- على رغم أنها لم تكن مقنعة للجميع، إلا أنها حظيت بقبول كبير لدى منظمات حقوق الإنسان وجماعات المساعدات الإنسانية. وافتتان تلك المنظمات والجماعات باستخدام هذا المصطلح، يرجع إلى أسباب سياسية في المقام الأول، تماماً كما هو الحال بالنسبة للقرار الذي تبناه الكونجرس الأميركي في هذا الشأن.
وعلى الرغم من أن التعريف القديم المستخدم لوصف المشروع الذي طلب منا دعمه في دارفور هو حق التدخل استجابة لانتهاكات خطيرة وواسعة النطاق لحقوق الإنسان، إلا أن استخدام مصطلح (الإبادة الجماعية) تحديداً يقدم ميزة واضحة هنا. فمن بين كل الانتهاكات الخطيرة ضد حقوق الإنسان، فإن هذا المصطلح هو الوحيد الذي يفرض على الدول التزاماً واضحاً وفورياً بالتدخل، ليس فقط من أجل قمع أعمال الإبادة الجماعية، ولكن أيضاً للحيلولة دون وقوعها، أو حتى وضع نهاية لها إذا ما كانت قد بدأت بالفعل.
ومن هذا المنظور، فإن الهدف الأساسي بالنسبة لحالة "دارفور" لا يجب أن ينصب على معرفة ما إذا كانت الأحداث التي وقعت في ذلك الإقليم مشابهة في طبيعتها لما و