منذ أفول شمس الحضارة العربية في الأندلس، دأب العقل العربي على تطويع سلوكه لتقبل النمط الاستهلاكي، والكف عن التطلع نحو الابتكار والتجديد· وعندما نناقش قضية الحضارة يقف أمامنا مثالان بارزان: الأول هو غلو العرب في التغني بالماضي، وترديد حضارة الأمس، وتطويع وسائل الإعلام نحو غرس ثقافة التغني بالأمجاد كحتميات تتطلبها مراحل النمو المجتمعي، وبذلك يتم إلهاء الشعوب عن التطلع الحقيقي نحو الابتكار والتجديد وإلغاء مفاهيم الحضارة الزائفة· والثاني هو النموذج الياباني الذي وقف من حضارة الغرب موقف التلميذ، فاستوعبها، وشق طريقه نحو الابتكار بعيداً عن حضارته الشامخة وفنونه واتجاهاته الدينية· النموذجان أو المثالان المذكوران يشكلان حقيقة واقع العرب اليوم الذي جنح نحو الاستهلاكية بشكل واضح، دونما تدخل من الدول نحو إصلاح هذا الاعوجاج في مسيرة التنمية التي يراها العديد من المراقبين· انها نتاج حتمي لسوء الأوضاع السياسية- في العديد من الدول العربية - التي كرست هيمنة العسكر أو الأحزاب ذات الشعارات غير الواقعية وتلك التي وضعت نُصب عينيها حماية الكرسي مهما انقلبت الطاولة على رؤوس الشعوب·
لقد ظهر عالم أو عالمان عربيان خلال القرن الماضي- ولكن في بيئات غير عربية- ولا شك يوجد علماء آخرون هناك·· والسبب معروف وبيّن، لأن حرية الفكر التي تمنح المبدع أو الباحث غير متواجدة في أغلب الدول العربية، بل انهم دوماً- كأنظمة- ينظرون الى المبدع أو المبتكر بأنه خطر على النظام، وبذلك تتم محاربته على أكثر من صعيد، وتتم محاصرته حتى في قوت عياله أو حرية أفكاره الصامتة·
ويواجه الإنسان العربي القادر على التفكير حقيقة ماثلة تتجلى في إهمال معظم الأنظمة للدراسات والبحوث الخاصة بتطور المجتمع، ولجوء هذه الأنظمة الى استيراد عقول من الخارج تساهم في تبلد العقل المحلي، واستيراد أفكار وسلوكيات أجنبية وفرضها على المجتمع، ولن نخوض في عملية التعليم، ولجوء المدارس الخاصة الراقية الى انتهاج أساليب غربية لإعداد الطالب للحياة الناجحة وليس لفك الخط، ولن نخوض في قضية المشروعات التجارية الضخمة والتي تتحمل خسارتها الدول - لا السلوكيات الإدارية الشائنة كالرشوة وتخريب الإدارات، وتوظيف المعارف وإقصاء المنتجين المبدعين وتحويل الإدارات الى محميات خاصة· على رغم أهمية ذلك في انتشال الحالة العربية من المهاوي التي وصلت إليها·
إن حديثنا عن التقليد في برامج التليفزيون، ودأب المحطات - حتى الراقية منها والثرية - على استنساخ برامج أجنبية وتحويلها الى اللغة العربية، يذكرنا ذلك بأحوالنا في السبعينيات عندما حاولنا تقليد الفيلم الأميركي ولم ننجح، وظلت الأفلام العربية تدور في محاور محددة لم توصلها الى العالمية مثل أفلام بقية الشعوب التي قررت الإبداع وحررت الفكر من هيمنة الدول وظلم الرقيب·
والتقليد الحاصل اليوم- على رغم نجاحات البرامج المستنسخة يؤكد تبلد الفكر الإبداعي و قولبته ·· وإهانته أيضاً بتشجيعه على الانحياز نحو الاستنساخ، وكأن هذا العقل العربي غير مؤهل، أو ناقص عن التساوي مع العقول الأخرى، وبالتالي يقدم إنتاجاً إبداعياً خالصاً· وهذا يعيدنا الى قضية الفيديو كليب التي علت أصوات كثيرة من العقلاء بأن هذا النمط الغربي قد شوه الأغنية العربية وأخرجها من الرومانسية ووقار الكلمة وعذوبتها الى لغة الجسد واستمالات المفاتن· لكن شركات الإنتاج والفضائيات لا زالت مستمرة في غي الإنتاج الهابط الى درجة أن إحدى الفضائيات قدمت وجهاً جديداً لراقصة وببدلة رقص شرقي وهي تغني·· وأخرى قدمت أغنية لمطرب يبث لواعجه وحرمانه في الكلمات، بينما نراه يتحارب بالسيف والترس مع حبيبته، المجال لا يتسع لمزيد من الأمثلة المؤسفة· وهذا أكبر دليل من القائمين على أمور الإنتاج بتسفيه وتحقير العقل العربي، وفرض أنماط اتصالية مشوهة، مضارها أكثر من فوائدها·
إن التلفزيون وسيلة اتصال مؤثرة جداً·· ودلت تجارب وبحوث علمية موثقة على دوره في تشجيع السلوكيات السلبية لدى الأشخاص الذين يحملون استعدادات لمثل تلك السلوكيات، كما أنه يتدخل في أذواق الناس - في أميركا مثلاً - من اختيار رئيس البلاد وحتى اختيار الأطعمة من السوبر ماركت·
للأسف، أصبح التلفزيون - لدى العديد من الأنظمة والشركات التجارية - دمية يقلبونها ويقولبونها كيفما يشاؤون، بعيداً عن مهنية الأداء وأساسيات البث، وطالما أن التلفزيون، وهو المعلم الأول للنشء، قد جنح نحو التقليد، وكان الأجدى به التأكيد على قيم الإبداع والتجديد، فكيف يمكن منع الإدارات والمؤسسات الأخرى في العالم العربي من التقليد؟
والظاهرة الأخرى المتعلقة بالتقليد تتجلى في نوعية النماذج المقدمة للنشء والجمهور عامة، فلقد غيب البث الشخصيات الجادة وذات العمق الفكري،- اللهم إلا في السياسة وخلال نشرات الأخبار- واقتصرت معظم ساعات البث على تقديم مواد ترفيهية تجتذب المراهقين، وهذا الجذب ليس لصالح المستقبل والجدية المتوقعة لمواجهة الحياة، بل للاستهلاك