ترزح فرنسا اليوم في هوة أزمة اقتصادية مزمنة بسبب تدميرها المنهجي لصناعاتها، وتفريطها في تميز هذا القطاع الحساس الذي طالما شكل دعامة قوية لاقتصادها، ومصدراً استثنائياً لاستقطاب أيدٍ عاملة كثيفة، من مختلف التخصصات والمهارات، وهو ما مثل على الدوام رافعة أخرى اجتماعية جنبت البلاد خطر الوقوع في براثن معدلات بطالة مرتفعة، واضطرابات اجتماعية وسياسية يغدو حدوثها بفعل ذلك أمراً حتمياً، بل مجرد تحصيل حاصل. والمفارقة أن الصناعة الفرنسية تمتلك أصلاً جميع مقومات ومؤهلات النجاح والازدهار، حيث إن في البلاد بعض أنجح أصحاب المشروعات ورجال الأعمال والباحثين والعمال المهرة من المتميزين عالمياً في هذا المجال. فأين توجد المشكلة إذن؟ بل أين لا توجد، وقد وصلت معدلات البطالة، وتراجع الصادرات الصناعية، وفقدان التنافسية إلى معدلات قياسية خلال السنوات الماضية؟ هذا هو ما يتناوله كتاب "فرنسا: حالة طوارئ... استراتيجية من أجل الغد" الذي أصدره في بدايات الشهر الجاري عالم الاقتصاد الفرنسي "كريستيان سان- إتيين"، محاولاً فيه تشخيص أبعاد أزمة القطاع الصناعي الفرنسي، مبرزاً أوجه القصور في السياسات الاقتصادية التي اتبعتها الحكومات الفرنسية منذ عهد ميتران وحتى الآن، على نحو تكشف في النهاية عن تراجع متواتر في أداء البلاد الاقتصادي على الصعيد الخارجي، وفاقم في الوقت نفسه أيضاً مشكلاتها الداخلية المالية واستطراداً الاجتماعية، والسياسية. وبين دفتي الكتاب يقرع الكاتب أجراس الإنذار محذراً من أن اقتصاد فرنسا لا يمكن أن يستمر طويلاً بالطريقة التي يدار بها الآن، دون أن يعاود الوقوع في سلسلة أزمات اقتصادية هائلة يصعب التنبؤ بنهاياتها ومتاهاتها. ويحسب للمؤلف في هذا المقام خاصة أنه كان من أوائل من قرعوا جرس الإنذار أيضاً حول مستقبل "اليورو" في كتاب أصدره قبل قرابة أربع سنوات، وشخص فيه مقدماً جوانب واسعة من المآزق التي تتخبط في إسارها العملة الأوروبية المشتركة اليوم. وفي هذا الكتاب كذلك يحذر من أن على فرنسا أن تعيد رسم مقاربتها وسياستها الاقتصادية علي أسس جديدة تسمح لها بإعادة اكتشاف فوائد اقتصادات الصناعة، فقد أضعفت نفسها بشكل كبير خلال فترة العقد ونصف عقد الماضية، وذلك باتباعها سياسات صناعية تكشفت مع مرور الوقت عن نتائج سلبية للغاية. وكان تقرير "غالوا" الشهير قد نجح في وضع النقاط على الحروف بشأن الأزمة التي تعاني منها الصناعات الفرنسية، وخاصة منها ضعف التنافسية وتراجع معدلات التصدير، وعدم مواكبة الموجة الثالثة من صناعات الاقتصاد الرقمي المتسارعة. ومع أن ذلك التقرير كشف الكثير من العيوب، إلا أنه أيضاً لم يحط بها كلها. كما أن التدابير الحكومية التي اتخذت في ضوئه لإعادة تعويم الصناعات الفرنسية لم تكن كافية، فقد استمر العجز الفادح في أداء صادرات الاقتصاد الصناعي. وفي ضوء الواقع الاقتصادي الصعب الآن بالنسبة لفرنسا، وأوروبا كلها، يرى الكاتب أن على الحكومة وضع سياسة اقتصادية جديدة يكون القطاع الصناعي فيها هو العمود الفقري والقاعدة الأساسية لكافة الأنشطة الاقتصادية الأخرى، على أن يتم التركيز على توسيع حجم الصادرات، وهو ما يقتضي بالتبعية أيضاً ضخ الاستثمارات وتوفير كافة سبل القدرة على التنافسية، ومواكبة اقتصادات الموجة الثالثة التي حولت العولمة الاقتصادية إلى عامل انتشار وقوة دافعة، بدل أن تجعلها حجر عثرة وعاملاً معوقاً كما هي حال الاقتصاد الفرنسي. ويُفيض الكاتب في نقد بعض ما يقدم الآن من حلول مرتجلة ومستعجلة لحل مشكلات اقتصاد الأزمة الراهن، مبرزاً أن كافة الحلول الترقيعية اليوم لن يكون لها مفعول مستدام على الاقتصاد، ومهما بذل من جهد وضخ من أموال، فإن مشكلات اقتصادية بنيوية حقيقية لا يمكن أبداً حلها بتدابير إدارية أو مالية موْضعية، وأحياناً حتى صورية. ولذا فإن جهود إعادة التوازن إلى النفقات العمومية، قد يساعد مثلاً في إنعاش الحالة المالية للبلاد، ولكنه لا يكفي لاحتواء أزمة اقتصادية راسخة الجذور، حاضرة الأسباب في قواعد اللعبة الإنتاجية والتجارية نفسها. بل إنه لابد من إعادة الاعتبار للصناعات وللاقتصاد الحقيقي المنتج، وإعادة روح الإنتاجية والتنافسية، بما يعيد للبلاد عافيتها الاقتصادية، ويقوم اختلال موازين مدفوعاتها، ويدفع بصادراتها مجدداً إلى إعادة اكتساح الأسواق الدولية من موقع القوة والجودة والجاذبية، وبعد ذلك سيكون كل شيء على ما يرام. حسن ولد المختار الكتاب: فرنسا: حالة طوارئ المؤلف: كريستيان سان- إتيين الناشر: أوديل جاكوب تاريخ النشر: 2013