لم يعد «أوسكار رييس» وهو يتجه في ربيع كل سنة إلى الشمال للعمل موسمياً في كندا يحتاج إلى دفع مبالغ مالية للمهربين لإيصاله إلى هناك عبر الصحراء وتجاوز دوريات حرس الحدود الأميركيين، بل يذهب مباشرة إلى وكالة الأسفار لشراء تذكرة من طيران كندا، والأكثر من ذلك يكسب «رييس» مابين10و 25 دولاراً في الساعة مقابل رعايته لكروم العنب ورش المبيدات الحشرية على الكروم في مقاطعة «بريتيش كولومبيا» الكندية، حيث يعمل ثمانية أشهر متواصلة في السنة على مدى سبعة أيام في الأسبوع. و«رييس» ليس سوى واحد من 16 ألف عامل موسمي استقدمتهم كندا من المكسيك خلال العام الماضي كجزء من اتفاقية بين الحكومتين ينظر إليها المسؤولون المكسيكيون على أنها نموذج محتمل لتوسيع برنامج «العمال الضيوف» في الولايات المتحدة، وفرصة للاستفادة من التجربة الكندية في استقبال هؤلاء العمال. وعن تجربته يقول رييس الذي عاد إلى المكسيك لقضاء الخريف مع عائلته، فيما تبدو لعب الأطفال الجديدة متناثرة في غرفة المعيشة: «أرجع إلى الوطن محملا بالمال، حيث أجد نفسي في غنى عن التفكير في توفير قوت أولادي». ومع إعادة انتخاب أوباما لولاية ثانية، والتأييد الواسع الذي ناله من الناخبين ذوي الأصول الإسبانية، تصاعدت التوقعات بأن أوباما سيلتفت إلى موضوع إصلاح قانون الهجرة الشائك، ولو فعل فإن الموضوع الأكثر إثارة للجدل هو مصير 11 مليون مهاجر غير شرعي يعيشون في الولايات المتحدة، كما يتوقع أن يشمل النقاش مقترحات بتوسيع برنامج العمال المؤقتين لتلبية احتياجات الاقتصاد الأميركي للعمالة الشرعية ذات المهارات المتدنية. ومع أن الولايات المتحدة تمنح حوالي 50 ألف تأشيرة موسمية مرتبطة بالعمل الزراعي كل سنة، أغلبها موجهة للعمال المكسيكيين، يقول المزارعون الأميركيون ومجموعات الدفاع عن حقوق المهاجرين، بالإضافة إلى الاتحادات العمالية والمسؤولين المكسيكيين، أن البرنامج الأميركي الراهن لاستقدام العمالة المؤقتة يتسم بالفوضى، فضلا عن طابعه البيروقراطي الثقيل وعدم كفاءته، ناهيك عن الانتهاكات التي تشوبه بسبب تدخل عناصر تحاول ابتزاز العمال ومطالبتهم بأموال للحصول على عمل في الولايات المتحدة. هذا الواقع جعل بعض العمال المحبطين، يتطلعون إلى كندا، حيث يتواصل المسؤولون الكنديون مع نظرائهم المكسيكيين لاستقدام العمال وتسريع عملية استصدار التأشيرات، بالإضافة إلى ضمان معايير السلامة والصحة للعمال. والأكثر من ذلك، تبذل السلطات الكندية جهداً كبيراً لضمان عودة هؤلاء العمال الموسميين إلى وطنهم بعد انتهاء مدة العمل، وهو ما يثير بعض الانتقادات من أن كندا تتعامل مع العمال كما لو أنهم آلات مبرمجة للعمل فقط. هذا، وتواجه معضلة إصلاح قانون الهجرة في الولايات المتحدة بعض المشاكل، لاسيما في ظل احتياجات الاقتصاد الأميركي وتناقص عدد المهاجرين الذين كانوا يعبرون الحدود الأميركية. فحسب الإحصاءات، هناك توجه لدى عدد متزايد من المكسيكيين إلى مغادرة أميركا، طوعاً أو بسبب الترحيل، الأمر الذي يحذر منه أصحاب الصناعات والمزارع، خاصة بعد تراجع عدد العمال في المهن الشاقة وذات المهارات المنخفضة. ووفقاً للتقديرات، توظف المزارع الأميركية مليوني عامل كل سنة، نصفهم دخلوا البلاد بشكل غير شرعي. ويخشى العديد من المزارعين من تمتيع العمال غير الشرعيين بإمكانية تسوية أوضاعهم، لأن ذلك يعني قدرتهم على تغيير العمل، لاسيما في ظل إصرار الاتحادات العمالية على حق العامل في تغيير العمل بدل رهن وضعه كمهاجر بعمل بعينه. ومع أن البرنامج الأميركي للعمال الموسميين، «برنامج العمال الضيوف»، لا يضع سقفاً على عدد التأشيرات التي يمكن إصدارها لتلك الفئة، فإن العديد من المشغلين الأميركيين يفضلون عدم اللجوء إلى استصدار التأشيرات لتعقيدها وبطئها، واللجوء بدلا من ذلك إلى العمال غير الشرعيين. أما في الحالة الكندية فإن المسؤولين الكنديين والمكسيكيين يتعاونون على تسهيل الإجراءات. وفيما عانى سوق العمل الأميركي من ركود ملحوظ بعد اندلاع الأزمة المالية، وتراجع الطلب على العمال الموسميين، وجد العمال ضالتهم في كندا، لاسيما بعد إعلان عزمها مضاعفة عدد العمل المؤقتين ومسارعة الحكومة المكسيكية إلى تلبية الطلب الكندي. ويذكر أن العامل المكسيكي في كندا يكسب في المتوسط أكثر من 10 دولارات في الساعة الواحدة، وهو المبلغ نفسه الذي يحصل عليه بعد يوم عمل شاق في المكسيك. ويتم اختيار العمال من قبل المسؤولين في المكسيك استناداً لمعايير تشمل المستوى التعليمي، والمهارات، والوضع الصحي، لكن مع ذلك يظل 80 في المئة من هؤلاء العمال ممن سبق لهم الذهاب إلى كندا. ولضمان عودة العمال إلى المكسيك، تشترط الحكومة الكندية أن يكونوا من المتزوجين ولديهم أطفال صغار، كما يشترط أن تظل الأسرة في المكسيك وألا يصطحبها العامل معه إلى كندا. ولمزيد من الحرص تقتطع الحكومة الكندية جزءاً من الراتب الذي لا يسترد إلا عند العودة. لكن هناك أيضاً جوانب مثيرة للجدل في البرنامج الكندي لاستقدام العمال المؤقتين يصعب تطبيقه في الولايات المتحدة، كما يتعرض لانتقادات المنظمات الحقوقية، حيث يتم الاشتراط على العامل في العقد الموقع مع المشغل عدم الاختلاط بالمجتمع الكندي والمكوث في موقع العمل حيث يبيت هناك في أماكن مخصصة، ويمنع عليه شرب الكحول واستقبال زوار من الجنس الآخر... لذا تقتصر فترة البقاء في كندا على النوم والعمل لساعات طويلة قد تصل 15 ساعة يومياً دون تعويض عن الساعات الإضافية. نيك ميروف-المكسيك ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»