أمام مراقبي الشؤون السياسية في دول مجلس التعاون الخليجي مدخلان لقراءة حالة التتويج الكروي لمنتخب الإمارات في بطولة كأس الخليج «خليج 21» التي أقيمت في البحرين، والتي رافقتها عاطفة وطنية إماراتية أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها كانت هادرة وقوية. فإما أن يقرأ المراقب تلك العاطفة من منطلق «كلاسيكي» معتبراً الرياضة عموماً وكرة القدم بشكل خاص شيئاً سطحياً ولا يُعتدُّ به في المقارنات الثقافية والسياسية، وينطلق في تحليله من صورة نمطية لم تعرف عن كرة القدم سوى كونها إحدى أدوات التسلية والترفيه، وأحياناً كثيرة «مضيعة للوقت»، مع أن هناك دولاً تعتمد في كثير من اقتصادها على الاستثمار الرياضي. وإما أن يجد المراقب في ذلك التتويج أحد المؤشرات الجديدة لتحليل سلوك اجتماعي لشعب تجاه وطنه وقيادته، وظاهرة يمكن الاستعانة بها في فهم السلوك، وأن ما تم خلال البطولة كان نوعاً من «التعبير» عن مكونات وجدانية تجاه القيادة والوطن اللذين يُعتقد أنهما يستحقان الكثير. المجال الرياضي اليوم يمكن أن يكون أحد المؤشرات لقياس مدى ترابط مجتمع، وتبيان موقف شعب ورأيه تجاه قضية معينة أو تجاه شخص. بل إن بعض السياسيين يعرضون أنفسهم للشعب من خلال الرياضة أولاً، وبالتالي يخرجون بالنتيجة التي يمكن أن تجعلهم يخوضون معركة انتخابية أو يُحجمون عنها! الرياضة اليوم هي إحدى مجالات صناعة الفرحة الشعبية، وإحدى مصادر الدخل للدول، وعنصر من عناصر تحسين المستوى المعيشي للفرد. ولو ذهبنا أبعد، فإن الرياضة هي مجال اهتمام كثير من الدول، بهدف قراءة اتجاهات الشعوب، خاصة تلك التي تتسم باتساع شريحة الشباب فيها، وهي شريحة كبيرة ومؤثرة في المجتمع. وبالتالي لابد أن يكون هناك مدخل واقعي وحقيقي لقياس اهتمامات الشباب، ومعرفة موقفهم تجاه قضايا اجتماعية سياسية. خطر لي أن أقتبس فكرة فهمنا لمجريات الأحداث السياسية من خلال تتويج الإمارات بكأس الخليج لقياس المؤشر السياسي انطلاقاً من الرياضة. ولم يكن فوز منتخبنا هو ما كشف عن حب شعب الإمارات لوطنه ولقيادته، لكن الفوز كان مناسبة دفعت إلى إخراج تلك «العاطفة السياسية» إلى الواجهة. وبقدر ما جاءت هذه العاطفة عفوية في تشكّلها، فقد كانت موحدة في شموليتها؛ أفقياً ورأسياً، كما كانت فعالة ومؤثرة، ما دفع بعض المراقبين إلى محاولة فهم ما يحدث، فكان تعليق الأمين العام لمجلس التعاون عبداللطيف الزياني أنه «لم ير فريقاً يلعب، بل شعباً بأكمله». إن زحف الجماهير إلى البحرين -البعض «عسكرَ» هناك- لم يكن فقط من أجل مؤازرة فريق كرة قدم، أو تشجيع منتخب يمثل الدولة. وخروج الجماهير إلى الشوارع لم يكن فقط من أجل التعبير عن فرحة الفوز الذي تحقق، ولا حتى عندما هنأ شيوخ الإمارات شعبهم لأن منتخبنا فاز، إنما القصة الحقيقية هي قصة قيادة تعيش في تفاصيل الإنسان الإماراتي. هذه حالة إماراتية خالصة، صدّق أو لا تصدق. للتأكيد فقط، أذكر على سبيل المثال ذلك التلاحم الوطني عندما وقفت الإمارات بأكملها لتوديع عائلة إماراتية قضى أفرادها نحبهم نتيجة حادث سيارة في دولة مجاورة. اعتدنا في مثل هذه المناسبات أن يُخرِج شعب الإمارات أفضل ما ينطوي عليه الوجدان الوطني من تعبيرات الولاء والانتماء. وفي حالة البحرين، فقد أجبر هذا الحماس الوطني الصادق شعب الإمارات كله على الوقوف في موقع حماسي واحد وعفوي، فلم يكن هناك مجال للوقوف في الوسط أو في الجانب الآخر، بل كان الجميع مع «رمز الإمارات». ما أقصده أن مكونات التلاحم موجودة لدى أفراد المجتمع، وهي تمتلك قاعدة واسعة كامنة، لكنها في أوقات الحسم الوطني تعبِّر عن نفسها بوضوح أكبر. وفي لغة السياسة فإنها تطرح نفسها باعتبارها كابحاً أو مصداً لأي محاولات للتشكيك أو المس بالرموز الوطنية. إننا في الحقيقة بصدد رسالة سياسية يوجهها شعب الإمارات إلى من يحاولون اختلاق «جزء فارغ من الكأس» لينظروا إليه. ما حدث في أيام البطولة من تفاعلات وطنية مطابق لما يمكن أن نشهده في أيام المناسبات السياسية الوطنية الكبيرة، مثل الاستفتاء والانتخابات، وإن اختلف الأمر في الطبيعة التخصصية وفي درجة التفاعل، فالمواطنون الذين اصطفوا لتشجيع المنتخب هم ذاتهم يمكن أن يقفوا من أجل التصويت في الانتخابات، بل إنه في هذه الحالة اتسع المجال ليشمل أشخاصاً لا يحق لهم قانونياً الانتخاب، مثل الأطفال وغير الإماراتيين، ومع ذلك فقد شاركوا الوطن فرحته. كما أن الأشخاص الذين خاطبوا الشعب في هذا اليوم وعبروا عن شكرهم له وقاموا بتهنئته بالفوز، لن يختلفوا في تلك الأيام. فكان الإنسان الإماراتي في هذا اليوم «ضمير الوطن». لقد هيمن التلاحم الوطني، وتأكدت معه حقيقة أن الكل في الإمارات يقف على مسافة واحدة، جغرافياً وسياسياً، خاصة بعد تلك المداخلة التي تقدم بها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، واستخدم فيها جملته الشهيرة التي باتت بصمة إماراتية يرددها الجميع: «البيت متوحد». المنتخب لم يكن سوى «محفز» ساهم في ظهور كثير من المشاعر الوطنية لدولة مكَّنت مواطنيها من حبها، والفوز لم يكن سوى مناسبة لتعبير شعب عن حبه لوطنه وقيادته. والتتويج ساهم في توضيح مدى عمق العلاقة، فكان تعبيراً مادياً عن حقيقة قائمة. إذا لم نقرأ العاطفة الرياضية للشعوب عموماً من الناحية السياسية، وليس في الإمارات فقط، ولم نأخذ بها باعتبارها مؤشراً يمكن الاستناد إليه، خاصة مع الجيل الحالي، فسيكون ذلك فشلاً للمحللين في فهم المتغيرات على الساحة السياسية، ومن ثم يكون فهْمهم مخطئاً في حق الشباب الذين جعلوا من الكرة طريقاً عفوياً وصادقاً للتعبير عن مشاعرهم تجاه وطنهم وقيادتهم.