أصيب بعض الناس بحالة من الصدمة حين انبرى القرضاوي من على منبره الفضائي لتوجيه كلام غير لائق بحق حكومة الإمارات، مهدداً باستخدام منبر صلاة الجمعة ما لم تتراجع الإمارات عن الإجراءات التي كانت قد اتخذتها لحماية أمنها! وما كاد هؤلاء يستفيقون من تلك الصدمة وإذ بهم يفاجأوا بـ«التغيّر» الذي طرأ مؤخراً على خطاب محمد العريفي، الداعية التلفزيوني المشهور، الذي صعد إلى النجومية على أكتاف المصدومين به أنفسهم! وما بين سقوط القرضاوي عن عين بعض المغترّين به، وأفول نجم العريفي عن سماء مريديه التقليديين، بعد أن تبينت لهم ميوله «الإخوانية»، على إثر موقفه الداعم لتظاهرات المعارضة في الكويت، وهي في جزء كبير منها معارضة «إخوانية»، وتشكيكه بشرعية النظام الحاكم هناك، سقط دعاة آخرون كانوا نجوماً فقهية إلى ما قبل «الربيع العربي»، واتضح أنهم إما من «الإخوان»، أو أن لديهم هوى لهذه الجماعة، أو تبنّوا آراء ومواقف لم يتوقع الكثيرون أن تصدر منهم. ومشكلة المصدومين بهؤلاء المشايخ أن ليل الصدمات أمامهم لا فجر له، وسيديرون الخد الأيسر كلما تلقوا ضربة على الخد الأيمن، خصوصاً إذا أحكم «الإخوان» قبضتهم على أكثر من دولة عربية، وبدأ أهل المصلحة من المشايخ في تغيير قناعاتهم والصعود إلى سفن «الإخوان» لصيد المنافع الدنيوية بشباك الفتاوى المسيّسة. أقول إن ليل المصدومين سيبقى طويلاً ما لم يعثروا على مفتاح النور، وهو بنظري قصر الاقتداء بمشايخ الدين، مهما علوا في طبقات العلم الشرعي، في مسائل الزواج والطلاق والصلاة والصيام ونواقض الوضوء وكيفية الاغتسال من الجنابة، وعدم الالتفات إلى آرائهم خارج نطاق الحلال والحرام، أو في أحسن الأحوال النظر إليهم، عند حديثهم في سياسات الدول والعلاقات الدولية والمذاهب الفكرية والأيدلوجيات السياسية والانتماءات الحزبية، كما ينظرون إلى أي محلل أو باحث يرتدي البذلة وربطة العنق ويتدلى من فمه السيجار. ويبدو أن المصدومين، وخشيةً من تلقي المزيد من الضربات، باتوا يستدعون في محاججاتهم الشرعية السياسية أسماء مشايخ دين توفاهم الله قبل «الربيع العربي» ولم يتزحزحوا حتى وفاتهم عن القناعات الشرعية السياسية التي كانت سائدة من قبل، إذ تنعدم نهائياً احتمالية تغيير أولئك المشايخ المتوفين آراءهم حسب تقلبات الأحداث وتغير الجو. ولا أدري ما هم فاعلون إن أصبحوا في مواجهة مستجدات سياسية لم تخطر ببال أولئك المشايخ المتوفين ولم يكن قد صدر عنهم في حياتهم رأي فيها أو فتوى؟ هل سيبحثون عن مشايخ جدد «مضمونين» ليسيروا خلفهم ويسلموا إليهم عقولهم في آرائهم السياسية بعد أن لدغوا من الجحر نفسه ورأوا كيف انقلبت آراء مشايخ كانوا يعدونهم علماء أفاضل لا يشق لهم غبار في جميع الميادين؟! أم يلجأون إلى الحل الأسلم، والصحيح، والدائم، وهو عدم إعطاء المايكرفون السياسي ليتحدث من خلاله أشخاص هم إما فقهاء حتى النخاع، أو يرتدون ثوب الفقه، أو حظوا بالنجومية من خلال مظاهر التدين.