لم يعد تطبيق الديمقراطية باعتبارها نظاماً سياسياً يكفل لجماهير الشعب المشاركة في العملية السياسية بكل أبعادها والرقابة على عملية صنع القرار في المجالات المختلفة، مجرد شأن داخلي للنظم السياسية ان شاءت طبقتها وإن لم تشأ امتنعت عن إعمالها، بحكم شمولية أو سلطوية النظم وتراثها الراسخ في الاستبداد.
وذلك لأننا نعيش في عصر التغير العالمي الشامل Global Change، والذي شمل كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية· ومن بين المظاهر البارزة لهذا التغير الشامل بروز ما يطلق عليه المجتمع العالمي والذي يتشكل من قوى متعددة، أبرزها السياسات التي تتبعها الدول الكبرى وكذلك الأمم المتحدة في مجال الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الانسان، وخلق شبكة واسعة من المنظمات غير الحكومية أصبحت تكون ما يطلق عليه المجتمع المدني العالمي ، بالاضافة الى بروز مزاج عالمي ينزع الى الديمقراطية ويشجع التعددية في صورها الايجابية ويحترم حقوق الانسان.
ومن هنا اتخذت الموجة الثالث للديمقراطية اتجاهات جديدة، وحظيت بدعم قوى متعددة، جعلت الدول التسلطية التي تقاوم الديمقراطية تحت الرقابة المباشرة للمجتمع العالمي بكل مفرداته التي ألمحنا اليها· بحيث يمكن القول إن شرعية أي نظام سياسي في الحقبة الراهنة تقوم على أساس مدى تطبيقه للديمقراطية وقبوله للتعددية واحترامه لحقوق الانسان· وعلى ذلك أصبح هناك اتجاه لم يقنن بعد، يميل إلى أن المجتمع العالمي من حقه أن يتدخل لتعديل مسار بعض النظم السياسية، وسواء كان هذا التدخل انسانياً كما حدث في الصومال حيث احتدمت الحرب الأهلية بين الفصائل المتناحرة مما مثل تهديداً حالا للشعب الصومالي نفسه، أو تدخلاً سياسياً كما حدث في العراق، وان كانت هذه الحالة بالذات مشكوك في شرعيتها الدولية، لأنها لم تكن سوى تدخل استعماري صرف من قبل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، اتخذت حجة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل ذريعة لغزوه ونهب ثرواته والتمركز العسكري فيه، للسيطرة المباشرة على الوطن العربي، ضماناً لتدفق النفط من ناحية، وللحفاظ على أمن اسرائيل من ناحية أخرى·
والتغير العالمي الشامل Global Change بدأت موجاته تتصاعد منذ سقوط الاتحاد السوفييتي عام ،1989 والذي أدى الى انهيار النظام الثنائي القطبية وتحول النظام الدولي الى نظام أحادي القطبية، تهيمن فيه الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها القطب الأوحد على المسرح العالمي، بحكم قوتها العسكرية الفائقة وامكانياتها الاقتصادية الجبارة، ومبادراتها التكنولوجية·
وقد حاول بعض الباحثين تحديد السمات الأساسية للتغير العالمي الشامل، وايجازها في عدد من الموضوعات الرئيسية· الموضوع الأول يتعلق بسرعة التغير· وهذه السرعة تتعلق في المقام الأول بالايقاع الفائق للسرعة في مجال التطوير التكنولوجي، ويشهد على ذلك ما شهدته صناعة الحاسبات من تطور وما يلحق بشبكة الإنترنت من مستحدثات يصعب حتى على المتخصصين ملاحقتها· ولا تقف سرعة التغير عند حدود المجال التكنولوجي، ولكنها تتعلق أيضاً بكل مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة·
أما السمة الثانية للتغير العالمي الشامل فهي توزع القوة، واذا كنا نعيش في عصر القوة المعولمة - إن صح التعبير - فهذا لا يمنع اننا نعيش في الوقت نفسه عصر السياسة التي جرى تفتيتها· ذلك ان الدولة القومية أجبرت - نتيجة تطورات متنوعة ومتعددة - على أن تقاسمها القوة والنفوذ منظمات دولية أبرزها الشركات المتعددة الجنسيات، والمنظمات غير الحكومية التي تمثل كما قلنا المجتمع المدني العالمي·
والسمة الثالثة للتغير العالمي الشامل هي الاعتماد المتبادل بين الشعوب، واذا كان توزع القوة يمثل انهياراً في المكانة التي كانت تحتكرها الدولة القومية، فان الاعتماد المتبادل يعد اختراقاً لجبهة الانعزال بين الأمم·
وهذا الاعتماد المتبادل بين الشعوب يتخذ صوراً شتى في مجال الحفاظ على الأمن العالمي وحل الصراعات بالطرق السلمية والمساعدات الاقتصادية في مجال التنمية، وتشجيع حوار الثقافات في مواجهة دعاوى صراع الحضارات، وهناك طرق متعددة أدت الى زيادة الاعتماد بين الشعوب وأهمها على الاطلاق ثلاثة:
أولاً: زيادة الطابع العابر للأمم للمشكلات التي تواجه الانسانية، وهي التي أطلقنا عليها من قبل في دراساتنا المنشورة عولمة المشكلات الانسانية ·
وثانياً: بروز مشكلات عابرة للقوميات تتعلق بالتعاون بين الشعوب، وربما كانت بعض المنظمات غير الحكومية الشهيرة مثل أطباء بلا حدود وغيرها نموذجاً مثالياً على تبلور وعي انساني كوني يدفع تجاه تكوين منظمات تمارس جهوداً دولية مشتركة·
وثالثاً: غياب المسافات بين السياسة الخارجية والسياسات الداخلية· ومعنى ذلك ان بعض قرارات السياسة الخارجية لدولة ما قد تؤثر تأثيراً عميقاً على السياسات الداخلية لدول متعددة، والعكس صحيح·
وقد تكون كل حقائق التغير العالمي الشامل وتأثيراتها البالغة على المجتمعات الانسانية المعاصرة، هي الكامنة