مر قرار إدارة بوش القاضي بإيقاف دعم الطلبات التي تقدمت بها فنزويلا للحصول على قروض قيمتها 250 مليون دولار من المؤسسات المالية العالمية، دون أن يلاحظه أحد تقريباً. ولكن قيام واشنطن باللجوء إلى استخدام تلك العقوبات الآن، يعني أنها تغامر بارتكاب خطأ آخر في التعامل مع رجل فنزويلا القوي والزئبقي، الرئيس "هوجو شافيز".
وعند قيامها بإعلان قرارها في هذا الشأن في موعد سابق من هذا الشهر، استشهدت واشنطن بدور فنزويلا في تهريب النساء والأطفال لاستغلالهم جنسياً، كسبب لإقدامها على اتخاذ هذا القرار.
وعلى الرغم من أن الإدارة الأميركية تستحق الإشادة لإعطائها أولوية قصوى لهذه المسألة، إلا أن هناك أسئلة جدية عديدة حول الدوافع الحقيقية للقرار الأميركي.
فمن الصعب رؤية أي فوائد عملية لذلك القرار، كما أنه من الصعب أيضاً استنتاج ما يمكن لتلك العقوبات أن تحققه على أرض الواقع، وكيف يمكنها أن تفيد في تعزيز مصالح الولايات المتحدة الأميركية، وقضية الاستقرار الديمقراطي في أميركا اللاتينية.
هذه ليست الطريقة المناسبة للتعامل مع الرئيس "شافيز"، خصوصاً وأن شعبيته قد تعززت بعد الاستفتاء على رئاسته الشهر الماضي. وعلى الرغم من الاعتراضات التي ثارت على تلك الانتخابات التي لا زال العديد من قوى المعارضة في فنزويلا ذاتها يعتبرها مزورة، فإن "شافيز" قد خرج منها وقد ازداد شرعية على الصعيد الدولي. وإذا ما أخذنا التراشقات الحادة التي وقعت بين إدارة بوش وحكومة "شافيز" على مدار الأعوام الماضية في الاعتبار، فإننا سنتوصل إلى نتيجة وهي أن أميركا قد اضطرت للقبول بنتيجة الاستفتاء على رئاسة "شافيز"، ولكن على مضض.
لقد بدت تلك اللحظة "لحظة قبول أميركا بنتيجة الاستفتاء" وكأنها اللحظة المناسبة كي يقوم البلدان باستئناف علاقات أكثر براجماتية بينهما. وكون فنزويلا رابع أكبر مصدر للنفط إلى الولايات المتحدة، في الوقت الذي تحيط به أجواء من عدم اليقين في الشرق الأوسط ، كان يجب أن يكون في حد ذاته دافعاً للبحث عن تسوية مؤقتة بين البلدين.
وعلى رغم أن العقوبات التي اتخذتها واشنطن قد تكون مرضية لبعض المتشددين في إدارة بوش، فإن الأمر المرجح هو أنها ستقوم أيضاً بتوفير المزيد من الذرائع للمتشددين في "كراكاس"، الذين يصرون منذ زمن طويل، على أن محاولة التعامل مع واشنطن التي تتبنى سياسات معادية ضد بلادهم هي محاولة عقيمة.
وهكذا، وبدلا من قيام الإدارة الأميركية بتدعيم جانب الاعتدال في حكومة "شافيز"، فإن قرارها الأخير ضده يمكن أن يدفع باتجاه المزيد من الراديكالية في فنزويلا.
والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على ذلك البلد لن تزيد بأي حال من الأحوال عن كونها وخزة دبوس، لأنها لا تحول دون قيام البنك الدولي، ولا بنك التنمية للأميركتين بالموافقة على القروض ولا تحول دون حصول فنزويلا على تأييد من دول أخرى لطلباتها المقدمة إلى المؤسسات المالية الدولية.
وعلاوة على ذلك، فإن مبلغ تلك القروض الذي لا يتجاوز 250 مليون دولار، يعتبر بمثابة مصروف جيب بالنسبة لـ"شافيز" الذي يتمرغ الآن في النعم الهائلة التي تدفقت على بلاده بفعل الارتفاع القياسي في أسعار النفط. وحتى إذا ما افترضنا أن القرار الأميركي في هذا الشأن يمكن أن يكون له فعلا دور في تقليص تجارة النساء والأطفال لأغراض الجنس، أو في جعل "شافيز" أكثر ديمقراطية، فإن هذا الدور سيكون هامشياً إلى أقصى حد. بل إن الإجراء الذي اتخذته الولايات المتحدة ضد "شافيز"، يمكن أن يدفع دولا أميركية لاتينية أخرى إلى دعم التصويت لصالح الموافقة على منح قروض لفنزويلا لمجرد الرد على أميركا بشكل أو آخر لأنهم سينظرون إلى القرار الأميركي على أنه قرار ذو دوافع سياسية، وأن توقيته والمنطق الذي استندت عليه واشنطن في اتخاذه قد سبب لها قدراً كبيراً من التشويش والحيرة.
وعلاوة على ذلك فإن ذلك القرار سيذكر دول أميركا اللاتينية أيضاً بالموقف القائم منذ فترة طويلة، والذي حقق نتائج عكس المأمول منه، وهو الذي تتخذه واشنطن ضد كوبا (تذكروا الاتهامات الأميركية الأخيرة بوجود أسلحة نووية في تلك الدولة).
واتخاذ تجارة النساء والأطفال لأغراض الجنس سبباً للقرار الذي اتخذته واشنطن، يخاطر بالتهوين من، وتسييس تلك القضية التي تعتبر واحدة من أخطر القضايا في أميركا اللاتينية. ويقول خبراء حقوق الإنسان المحايدون، إن سجل فنزويلا في هذه التجارة، على رغم أنه يدعو للقلق الشديد، إلا أنه لا يزيد في بشاعته عن سجل دول أخرى، نجحت بطريقة ما في الإفلات من عقوبات مماثلة. ويلاحظ أنه فيما يتعلق بتقرير وزارة الخارجية الأميركية لعام 2003، فإن فنزويلا لم تظهر حتى ضمن الدول الخمس الأولى التي قام ذلك التقرير بتصنيفها على أنها الدول المتهمة الخمس الرئيسية في نصف الكرة الغربي في مجال تهريب النساء والأطفال لاستخدامهم في أغراض جنسية. صحيح أن فنزويلا في ذلك التقرير قد تحركت لتصبح ضمن فئة الدول الأكثر إثارة ل