شهدتُ حفلَ افتتاح دورة كأس الخليج العربي الحادية والعشرين في مملكة البحرين. وذكّرتنا الدورة بعام 1970 عندما انطلقت الدورة الأولى في البحرين. لستُ رياضياً أو محللاً فنياً للأعمال الرياضية، لكن الدورة وحّدت شعب الخليج على مدى 43 عاماً، وأشاعت مناخاً من الانتماء للخليج أرضاً وشعباً بعيداً عن كل الحساسيات والمنغصات السياسية، وحافظت على استمراريتها دورياً في الدول الأعضاء في الدورة بعد أن أضيفت اليمن إلى الدول السبع (التي تجمع دول مجلس التعاون والعراق). وقد تكون دورة كأس الخليج العربي أهم وأقدم تجمع خليجي نجح في ضم شباب الخليج، ما يُثبت أن الوحدة الخليجية يجب أن تكون قاعدتها شعب الخليج. وأن الرياضة والثقافة والفن من العوامل المهمة -التي لا تثير حساسيات- لتوحيد شعب الخليج. كما أن هذه الدورة يجب أن تكون نبراساً للعمل الوحدوي الذي يجسد آمال شعب الخليج بعيداً عن أية منغصات أو عقبات، على رغم "حرب" التصريحات والتصريحات المضادة والتوقعات التي تصاحب الدورة، التي تعتبر عادة بمثابة "ملح" الدورة، الأمر الذي يوجد مادة ثرية للصحافة والإعلام، دون أن تتأثر العلاقات بين الدول، أو تتشنج المواقف أو تتعثر مسيرة الدورة. بودي لو اطلع السياسيون في المنطقة على الأفكار والرؤى التي واكبت الدورة ودعمت نجاحها واستمرارها على مدى السنين، فقد تكون تلك الأفكار والرؤى مفيدة في تحقيق الوحدة الخليجية. تماماً كما هي الحال مع مهرجان المسرح الخليجي الذي هو الآخر نموذج لتجمع شبابي في مجال الفن، حيث استمرت دورات المهرجان لسنوات طويلة دون انقطاع، وهو مجال لا يثير أية حساسيات أو منغصات ويجسد الوحدة الخليجية. والحديث عن الوحدة الخليجية يجرنا دون شك إلى الحديث عن مجلس التعاون -الذي تجاوز عمرهُ الثلاثين عاماً- وما زال يحاول تقريب وجهات النظر حول القضايا التي تواجهها دول المجلس، والتحولات الإقليمية والدولية، وأيضاً التحديات الداخلية في كل بلد. لقد حاول مجلس التعاون إيجاد أرضية مشتركة للوحدة -طبقاً للنظام الأساسي لمجلس التعاون- عبر مئات اللجان والاجتماعات وأكثر من ثلاثين قمة دورية لرؤساء الدول، ناهيك عن القمم التشاورية التي لا تكون فيها أجندة أو بيان ختامي. وصمد المجلس في امتحانات أمنية وعسكرية، سواء ما تعلق باحتلال إيران لجزر الإمارات، وما رافق ذلك من توتر في مياه الخليج العربي وصل إلى حد الاعتداءات ودخول القوارب الإيرانية الحدود الإقليمية لبعض الدول الخليجية، أو إطلاق الصواريخ والحرب الإعلامية ذات الطابع التهديدي. كما صمد مجلس التعاون في امتحان عسير عندما احتل العراق دولة الكويت عام 1990، حيث وقف الشعب الكويتي مع شرعيته ووقفت شعوب الخليج مع الشعب الكويتي. كما وقفت حكومات الخليج موقفاً واحداً، كان من نتائجه عودة الكويت لأهلها وطرد الاحتلال العراقي وراء الحدود، وتلا ذلك بروز مواقف دولية ضد العراق أدت لحشد دولي أطاح بالنظام الديكتاتوري عام 2003. كما واجه المجلس امتحانات أخرى على مستوى التعاون المشترك في المجال الاقتصادي والتشريعي والأمني، نظراً لاختلاف الظروف في كل بلد، وتمسك كل بلد بمبادئ السيادة، وصعوبة تماثل التشريعات المحلية عن نظيرتها في الدول الأخرى، نظراً لاختلاف النظام السياسي. واليوم يدور حديث طويل عن الوحدة الخليجية التي أملتها ظروف إقليمية حساسة وصعبة. وبرأينا أن مراجعة مسيرة مجلس التعاون -بعد أكثر من ثلاثين عاماً- تتطلب إدراكاً لتغيّر الظروف الدولية والإقليمية، وتطور وعي شعب الخليج، ودور الإعلام وأدوات التواصل الاجتماعي في إلغاء الحواجز بين البلدان، وظهور جيل خليجي جديد، اطلع على ما يجري في العالم، وعاصر التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية. كما شهد دعوات دولية لتأكيد كرامة الإنسان وتنظيم شؤون حياته وضمان حقوقه الأساسية. والوحدة برأينا يجب أن ترتكز على توحيد الشعوب، التي هي أصلاً متوحدة تاريخاً وجغرافياً وانتماءات عائلية، مع تماثل الأنظمة. وهذا يتطلب أن تتماثل التشريعات -وأهمها وجود التمثيل الشعبي الموحد- الذي يفضي إلى وجود البرلمان الخليجي أسوة بالبرلمان الأوروبي. كما أن الوحدة تتطلب وجود المواطنة الاتحادية، التي لم تتحقق كاملة في إطار مجلس التعاون. إن الإيمان بالمواطنة الاتحادية، وتعديل التشريعات المحلية بما يتلاءم من صيرورة تلك المواطنة من أهم الخطوات أو المرتكزات التي يحتاجها نجاح الوحدة. خليجي 21 نموذج وحدوي لجهد صمد لأكثر من 43 عاماً، وبودنا لو استفدنا من هذا النموذج في معالجة قضية الوحدة الخليجية.