يثير الكثير من دول العالم الثالث هذه الأيام خصوصاً الدول العربية، تساؤلات حول شرعية الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة والدول الغربية في التدخل في الشؤون الداخلية للدول الصغرى عن طريق مجلس الأمن الدولي أو المنظمة الدولية. دول العالم الثالث ومنها سوريا والسودان تتحفظ على القرارات الدولية.
ما هو أبرز الدروس التي يجب الاستفادة منها من تجربة "دارفور" في السودان والقرار 1559 الخاص بلبنان وسوريا؟ هو عدم الاستهزاء بالقرارات الدولية. واشنطن استعملت سلاح الضغط على السودان وسوريا واستغلت قوتها الدبلوماسية والعسكرية لتجنيد الدول الأوروبية والكثير من دول العالم لرؤيتها الجديدة للعالم المعاصر، لذلك لا غرابة من قبول السودان بالشروط الدولية، ومحاولة سوريا التفاوض للخروج من الأزمة. لقد وعى السودان وسوريا أنهما لا يستطيعان لوحدهما معارضة قرارات الأمم المتحدة، حتى ولو وقفت معهما الجامعة العربية، وهلل لقراراتهما بالتصدي لأميركا والغرب الشارع العربي والتيارات القومية والإسلامية.
السؤال هنا: لماذا لا يعترف العرب ولو لمرة واحدة بأنهم أمة ضعيفة- جاهلة- متخلفة- مشتتة، لم تستطع الدفاع عن قضيتهم الأولى فلسطين طوال الخمسين عاماً الماضية؟ فكيف بالله يمكن الدفاع عن تجاوز بعض الحكومات العربية لقضايا حقوق الإنسان وانتهاك سيادة الدول الصغيرة المجاورة؟ الدول العربية متخلفة سياسياً واقتصادياً وحضارياً، وأصبحت هذه البلدان تشكل عبئاً ثقيلاً على المجتمع الدولي خصوصاً بعد تصدير "الإرهاب" الإسلامي العربي لكل مناحي المعمورة. لا يمكن لنا اليوم رفع الشعارات القومية البالية أو الإسلامية المتخلفة أمام المجتمع الدولي المتحضر الذي يطالب بتحسين حقوق الإنسان في بلداننا. الكثير من الدول العربية تطالب بعدم تدخل الآخرين في شؤونها، وهذا كلام صحيح، لكن هل يجوز لنا أو يحق لنا أن نصدر "الإرهاب" للآخرين ونشتكي بعدها عندما تكون ردود فعل الآخرين قوية ومدمرة في نفس الوقت؟ بن لادن وتنظيم "القاعدة" والكثير من التنظيمات الإسلامية المتطرفة لا ينتمون للدول الاسكندنافية بل هم عرب ومسلمون ودرسوا وتعلموا في الجزيرة، قامت هذه المجموعة "الإرهابية" بتفجيرات أفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة، وأثاروا مشاكل في الشيشان والبوسنة وكل بقاع المعمورة. هل نتوقع سكوت الغرب عنا؟
مشكلة بعض العرب أو بعض الدول العربية تحديداً أنهم لا يعون حتى الآن بأن الحرب الباردة قد انتهت بهزيمة المعسكر الاشتراكي. وأن العالم اليوم يدار من دولة عظمى واحدة، وهي التي تتحكم بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، لأن ميزان القوى كله بيد الولايات المتحدة. فعن طريق الأمم المتحدة وبدعم من دول التحالف تم تحرير الكويت وإحلال السلام في البوسنة ويوغسلافيا وتغير النظام الاستبدادي الفاشي في أفغانستان والعراق.
لنكن أكثر واقعية بأنه ليس أمام سوريا والسودان من خيار إلا الانصياع للإرادة الدولية وليس من مصلحتهما تجاهل القرارات الدولية، لأن أميركا وأوروبا متفقتان حول مشكلة "دارفور" والقرار 1559 الخاص بسوريا في لبنان. هذا القرار أتاح المجال لسوريا للتحرك دولياً لتفادي المواجهة.
إن تدويل العلاقات السورية- اللبنانية يجعل من الصعب قبول الأطروحات السورية- اللبنانية بأن الأمر داخلي خاص بإرادة الدولتين. اليوم لم تعد هذه القضية عربية يمكن حلها عن طريق الجامعة العربية بل أصبحت قضية دولية، مجلس الأمن الدولي هو المسؤول عنها. نحن متأكدون بأن العقلاء في سوريا سيعون هذه الحقيقة ويتم حل المشكلة سلمياً.