لا نعلم حقيقة ما يجري سراً ما بين الحكومتين الأميركية والإيرانية، لذا فليس لنا إلا أن نحكم على الظاهر والبادي للعيان، وهو أن علاقات البلدين منذ قيام ما يسمى بالثورة الإسلامية في إيران في عام 1979 يسودها التوتر والشكوك الذي وصل اليوم إلى حد العداء وتبادل التهديد والوعيد المنذر بنشوب حرب جديدة في الخليج. والمعروف أن لواشنطن جملة من الملاحظات على النظام القائم في إيران تبرر بها موقفها العدائي منه، لكن دون أن تقول لنا إنها هي نفسها أي الولايات المتحدة من تسببت في تلك الأمور ابتداء. فنظام طهران من وجهة النظر الأميركية نظام غير ديمقراطي، لكن من يا ترى كان السبب في الحيلولة دون ازدهار الديمقراطية وتصلب عودها في إيران؟ وبعبارة أخرى، من قام بتصفية الديمقراطية الوليدة في إيران في الخمسينيات؟ أليست هي واشنطن التي خططت للانقلاب على الحكومة المنتخبة ديمقراطياً بزعامة د. محمد مصدق في صيف عام 1953 بالتعاون مع الإنجليز؟ ويصف الأميركيون نظام طهران الحالي بالنظام المارق والساعي إلى ضرب المصالح الأميركية والغربية في الخليج العربي، لكن من يا ترى ساهم بصمته وسكوته ودعمه الخفي في وصول مثل هذا النظام المشاغب إلى السلطة في طهران بديلا لنظام الشاه محمد رضا بهلوي، الذي لم يكن، رغم كل مساوئه، زعيماً مغامراً يتحرش بجيرانه، ويهدد الأقربين والأبعدين بالدمار، ويؤسس الجماعات الميليشياوية خارج حدود بلاده من أجل أعمال الإرهاب والترويع والفوضى؟ ألم يكن من قام بذلك هو إدارة «كارتر» بالتعاون مع إدارة نظيره الفرنسي فاليري جيسكار ديستان؟ وتشتكي واشنطن وتـُخيف العالم من البرنامج النووي الإيراني وتقول إن امتلاك طهران للقنبلة النووية خط أحمر لن تسمح بتجاوزه (كان الخط الأحمر إلى وقت قريب هو تخصيب اليورانيوم، لكنه تحول مؤخراً على لسان وزير الدفاع «ليون بانيتا» إلى امتلاك القدرات النووية)، لكنها تنسى أو تتغافل عمداً عن الحقيقة التاريخية المعروفة، وهي أن بدايات اقتحام الإيرانيين للمعارف النووية كانت في ستينيات القرن الماضي، وتحديداً في عام 1967 حينما زودت واشنطن حكومة الشاه بمفاعل نووي يعمل بالماء الخفيف بقوة خمسة ميجاوات، وذلك ضمن برنامج كان سبق وأن دشنه الرئيس «الجمهوري» أيزنهاور في الخمسينيات تحت اسم «الذرة الأميركية من أجل السلام». أي أن الأميركيين هم من منحوا الإيرانيين النواة التي بنى الشاه عليها برنامج إيران النووي لتوليد الكهرباء، وهو ما مثـّل لاحقاً حجر الزاوية في البرنامج النووي للنظام الإيراني الحالي. هذا عن السلاح النووي، أما عن السلاح التقليدي، فيجب ألا ننسى أن إدارة الرئيس الأميركي الأسبق ريجان قد زودت نظام ولاية الفقيه في طهران – في عزّ عدائها له - بالأسلحة الصاروخية في الصفقة التي عرفت بإسم «إيران كونترا» وعـُدت فضيحة للطرفين! وبطبيعة الحال، فإن ما سبق ليس كل شيء! فالإدارة الأميركية الحالية والسابقة كثيراً ما صدعت رؤوسنا بحقيقة لا يختلف عليها اثنان، وهي ممارسات أجهزة الاستخبارات الإيرانية وأجهزة الحرس الثوري ضد المعارضين ونشطاء حقوق الإنسان الإيرانيين سواء في صفوف الأكثرية الفارسية أو في صفوف الأقليات العربية والبلوشية والآذارية والكردية والتركمانية والأرمنية. لكن من يا ترى ساهم في وضع اللبنات الأولى لمؤسسات التعذيب الإيرانية، ودرب قوات الأمن على وسائلها وفنونها؟ أليست هي الإدارات الأميركية المتعاقبة التي أوهمت الشاه الراحل أن بقاءه في السلطة مرهون بنظام أمني حديدي، فكان أن اعتمد الأخير على «السافاك» كمؤسسة أمنية رهيبة تدربَ عناصرها على أيدي رجال المخابرات المركزية. وحينما سقط الشاه أورث «السافاك» ثقافته ووسائله الأمنية العنيفة إلى الجهاز الأمني والمخابراتي الحالي، الذي يعمل تحت إمرة الحرس الثوري. إلى ذلك يشتكي الأميركيون من تمدد النظام الإيراني الحالي، وتوسع نفوذه في المنطقة، وتدخله في شؤون جيرانه. لكن السؤال البسيط الذي يمكن أن يوجه اليهم في هذا السياق، هو من سمح لطهران ببسط نفوذها وسيطرتها على مفاصل إحدى أهم دول الشرق الأوسط موقعاً وثروة وهي العراق؟ ألم تكونوا أنتم من قدم العراق على طبق من ذهب لهم في الوقت الذي كان بإمكانكم فيه أن تجنبوا بلاد الرافدين وقعوها في قبضة أعدائكم الإيرانيين، وبالتالي تحافظوا عليه من الانحدار نحو الطائفية البغيضة والاحتراب الداخلي والتمزق السياسي؟ ومؤخراً صادق أوباما على تشريع إجازه الكونجرس الأميركي حول التصدي لمحاولات إيران مد أذرعها ونفوذها في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة أي في دول أميركا اللاتينية. والسؤال الذي لا بد من طرحه هو لماذا انتظرت واشنطن كل هذا الوقت للقيام بذلك، وهي التي تعلم قبل غيرها، بفضل تفوق أجهزتها المخابراتية والتجسسية، أن مساعي طهران للحصول على موطئ قدم قوي في أميركا اللاتينية مشروع إيراني قديم بدأ مع مجيء آيات الله للسلطة في عام 1979 ، وإنْ اشتد زخمه بوصول الرئيس الإيراني الحالي إلى الحكم في عام 2005 بالتزامن تقريباً مع ظهور الحكومات «اليسارية» في أميركا الجنوبية، ولا سيما حكومة «شافيز» الراديكالية في فنزويلا التي يقود وزارة الداخلية فيها شخصية من أصل سوري متعاون مع «حزب الله»، لجهة تسهيل مرور وانتقال عناصر الأخير ومدهم بالأوراق الثبوتية المزورة. وقد بدأ المشروع الإيراني المذكور في أميركا اللاتينية بتحرك دبلوماسي نشط مع تقديم القروض والمساعدات والمنح، ثم تبعته تحركات استخباراتية قادتها أجهزة الحرس الثوري وأدواتها في الخارج (مثل خلايا حزب الله اللبناني). ثم أن الولايات المتحدة على علم مبكر بأن الاستخبارات الإيرانية قد نجحت في بناء علاقات متينة مع مخابرات فنزويلا والإكوادور وبوليفيا وكوبا ونيكاراجوا وغيرها من الدول اللاتينية التي تحكمها أحزاب «يسارية» ثورية، فضلاً عن علاقات تبادل منافع أسستها طهران في عموم أميركا الجنوبية. ومن ثمار هذه العلاقات أن طهران وكاراكاس تملكان اليوم مشاريع ومؤسسات مشتركة بقيمة أربعة بلايين دولار (من ضمنها مصرف مشترك ومصنع للمتفجرات)، وأن الإيرانيين والإكوادوريين شركاء في أكثر من عشرة مشاريع للطاقة والتنمية الزراعية والسمكية.