تعاني منطقة شرق آسيا في الوقت الراهن مجموعة من الصراعات المستمرة، والتي يمكن في حالة الفشل في حلها بطريقة سليمة، أن تكون مؤشراً على بداية مرحلة جديدة وخطرة من المواجهات بين دول المنطقة، والتي يمكن أن تقود في مرحلة ما إلى استخدام القوة. وهناك ثلاثة موضوعات مركزية، توفر الأساس الذي يمكن الاستناد إليه في تفسير الهموم والمخاوف التي تنتاب البعض في الولايات المتحدة حيال التطورات التي تحدث في تلك المنطقة. الموضوع الأول: القضايا غير المحلولة المتعلقة بجرائم الحرب، بين اليابان والدول التي احتلتها خلال الحرب العالمية الثانية، وعلى وجه الخصوص الصين وكوريا الجنوبية والفلبين. الموضوع الثاني: الصعود الاقتصادي والعسكري للصين، ومطالبتها بالسيادة على مساحات واسعة من مياه بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي. ومن المهم الإشارة في هذه السياق، إلى أن تلك الادعاءات ما زالت حتى الآن محل جدل شديد، ومنازعات من قبل كافة جيران الصين التي ترفضها جملة وتفصيلاً. لكن احتمالات اكتشاف حقول نفط وغاز كبيرة واكتشاف معادن نادرة، وتعدد المصادر السمكية الوفيرة... كفيلة في مجملها بجعل هذا الموضوع خلافياً ومثيراً للتنازع والانقسام في الآراء. الموضوع الثالث: إن الأزمة في شبه الجزيرة الكورية، وتصميم زعماء كوريا الشمالية على استئناف برنامجهم الخاص بالأسلحة النووية، تتسبب في رفع مستوى رهانات ومخاطر الانتشار النووي، بمعنى سعي دول أخرى في المنطقة إلى تقليد هذا البلد في للحصول على سلاح نووي طالما أن القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة لم تنجح في ردع نظام بيونج يانج عن الاستمرار في برنامجه النووي. وإذا ما أخذنا ذلك، ووضعناه جنباً إلى جنب مع المعاهدات الموقعة بين الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، فإننا سوف ندرك أن ذلك المزيج يجعل أي أزمة في شبه الجزيرة الكورية تكتسب خطورة خاصة. ومما يفاقم من تلك المشكلات معاً أن كلاً من الصين واليابان لديهما طاقم جديد من القادة الذين توجد لديهم دوافع قوية للظهور بمظهر الزعماء الصارمين الأقوياء، لا الزعماء الضعفاء الذين يقومون باسترضاء جيرانهم والخضوع لرغباتهم. فالقيادة الصينية الجديدة على سبيل المثال تواجه تحدي الحاجة إلى إدامة النمو الاقتصادي بالنسبة المرتفعة التي وصل إليها في السنوات الأخيرة، وبالوتيرة السريعة التي حققها، حتى تتمكن من إخماد السخط السياسي المتنامي في بعض مناطقها. وعلاوة على ذلك، تواجه تلك القيادة التحدي الخاص بإصرار الدول الأخرى على الوقوف في وجه ما تعتقد بكين أنه حقوق صينية تاريخية في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي، وهي حقوق تدعي أنها قد سرقت من الصين خلال القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين بواسطة القوى الاستعمارية المتمثلة في بعض دول أوروبا واليابان. ورئيس وزراء اليابان الجديد، شينزو آبي، مشهور بقوة شخصيته، وبميوله المحافظة، وموالاته للأميركيين. وهو يعتقد أن لديه تفويضاً بالتصدي للعديد من المشكلات التي تواجهها اليابان في الشؤون الإقليمية، بما في ذلك الميول التوسعية الصينية، خصوصاً في الجزر الواقعة في بحر الصين الشرقي، والتي يجادل آبي بأنها أرض يابانية أصيلة. وهدفه من ذلك هو إيقاف التحدي الذي تمثله الصين لبلاده. وفي سبيل ذلك يقترح إجراء زيادة بمقدار مليار دولار في ميزانية الدفاع كي يتم إنفاقها على المنظومات العسكرية الحديثة العالية التقنية التي يمكن أن تجعل من بلاده قوة مرهوبة الجانب. ومثل هذا الاقتراح سوف يؤدي إلى زيادة القلق الصيني ويمكن- وهنا المفارقة- أن يعزز التعاون بين الصين وكوريا الجنوبية، وذلك من خلال نكأه لجراح الحرب العالمية الثانية وعلى وجه الخصوص المعاملة اليابانية للنساء الآسيويات، والتي ما زالت حتى الآن تمثل جرحاً غائراً، وكذلك الرغبة المستمرة للزعماء اليابانيين (بمن فيهم آبي نفسه) في القيام بزيارات لمزارات الحرب اليابانية، على الرغم مما يثيره ذلك من ذكريات أليمة للكوريين. وهذه الزيارات تعتبر بمثابة إهانات للدول التي احتلتها اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية، وتخشى الصين من أن تؤدي حملة "آبي" من أجل تأكيد ذاته، إلى نمو حجم البحرية اليابانية التي تمثل تهديداً حقيقياً للصين. أما فيما لو دخلت تلك البحرية في تحالف مع القوات البحرية الأميركية الرهيبة، فإن ذلك كفيل بمفاقمة التحدي الطويل الأمد لطموحات الصين البحرية الجسورة. والولايات المتحدة سعيدة بأن رئيس وزراء اليابان الجديد يبدو مستعداً كي يكون أكثر جسارة، وأكثر تعاوناً في المسائل الاستراتيجية، وأكثر استعداداً لإرسال رسالة قوية للصين مؤداها أنه لن يقبل البلطجة الصينية بشأن أي قضية من القضايا التي تمس السيادة اليابانية بأي شكل من الأشكال. ومن ناحية أخرى، فإن آخر شيء ترغب فيه الولايات المتحدة، هو أن تنجر إلى الصراعات الآسيوية الآسيوية، وعلى وجه الخصوص تلك التي تدور بين اليابان وشركاء آخرين للولايات المتحدة مثل الفلبين وفيتنام وكوريا الجنوبية، وهي كلها دول تحرص الولايات المتحدة على المحافظة على علاقات وثيقة معها. ومع ذلك، وعلى النقيض من هذا الاتجاه، يجب أن نلاحظ أن روسيا، وبسبب شعورها بالقلق هي الأخرى جراء صعود القوة الصينية، قامت بإجراء بعض المقاربات الودية تجاه اليابان، رغم العديد من نزاعات الأراضي غير المحسومة بين البلدين منذ الحرب العالمية الثانية. ووقوع أزمة كبرى في آسيا يمكن أن تكون له أصداء مزلزلة وعميقة بالنسبة للاقتصاد الدولي؛ ومن هنا، فإنه يجب عدم التردد في بذل كل مجهود دبلوماسي ممكن لنزع فتيل تلك الأزمة قبل أن تقع.