كان يفترض بالعرب وهم في مسارهم التاريخي نحو التطوير والتجديد، أن تمتلئ نفوسهم قلقاً من الحالة التي وصلت إليها أوضاعهم في أغلب البلاد العربية، وأن يبدي القادة في تلك البلاد ما يلزم من رغبة في إصلاح أحوال مجتمعاتهم، وذلك بأن يرفعوا أعينهم نحو التحديات التي تقف أمام مسار تطورهم التاريخي، حيث توجد قائمة طويلة من المشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتراكمة منذ زمن بعيد، دون أن تجد لها حلاً. وهناك على سبيل المثال، مشكلة الديون المتعاظمة التي تعانيها غالبية الدول العربية، وتشكل هماً مستمراً وإشكاليةً تعيق مسيرة التنمية، حيث إن المديونيات المتنامية، من شأنها إضعاف الدول المدينة أمام مناورات الدائنين، وتخلق مشكلات اجتماعية خطيرة تهدد مكانة العملة الوطنية للدول المدينة وتضعف اقتصاداتها، كما تسبب نوعاً من الهشاشة في النظام الاقتصادي بأكمله. كما أن هناك مشكلة التعليم، والذي -وفقاً لدراسات مختصة كثيرة- يعاني مشكلات متراكمة في جميع مراحله ومستوياته. وحسب تلك الدراسات، فإن ترتيب العالم العربي في التصنيف العالمي يأتي دائماً في المؤخرة، رغم ما يتم صرفه على التعليم، ورغم كونه الرافد الأساسي للعملية التنموية. وتتجلى هذه المشكلة بصفة خاصة في التعليم العالي الذي يعتبر محركاً حيوياً للتطور الاقتصادي والصناعي، كما أنه عامل رئيسي في إغناء التراكم المحلي لرأس المال البشري. لكن رغم ذلك، فإن الجامعات العربية غالباً ما تأتي خارج التصنيفات العالمية للجامعات. ثم إن هناك مشكلة البطالة والفقر واتساع الفجوات الطبقية، لأسباب عديدة، وعلى نحو يهدد السلم الاجتماعي والتوافق الوطني في كثير من البلاد العربية، كما يمكن أن يُحدِث هزةً عنيفةً داخل هذه البلاد، إذ ثبت أن الفقر يدفع الإنسان إلى سلوك طرق عنفية تمثل خطراً على المجتمع. أضف إلى ذلك، بعض الأخطاء الاقتصادية والسياسية والإدارية المزمنة، والتي نجم عنها تكريس واقع التخلف الذي تعيشه كثير من البلاد العربية. وقد أحدثت تلك الأخطاء وتحدِث أزمة داخل المجتمع العربي، من خلال توسيع الشرخ بين فئاته الاجتماعية. وفي مناخ يعج بمشكلات ومعوقات من ذلك النوع، لا يتوافر الجو المناسب لقيام بيئة إبداعية محركة للتقدم، كما لا تتوافر الشروط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للاندراج في الحراك العالمي نحو الرقي والتقدم والازدهار. لذلك فقد اتسم حراك العرب خلال خمسين سنة الماضية بالجمود، إذ لم يستفيدوا من توظيف الامتداد الجغرافي الاستراتيجي الذي يشكل ميزة عربية ثمينة، كما لم يستطيعوا في الغالب الاستفادة من مخزون الثروة البشرية والمادية الهائلة، وعلى الأخص أصحاب العقول المواهب المهيئين لخدمة المسار التنموي. كان ينبغي للعرب أن يجعلوا دولهم أكثر اتحاداً، بحيث يصبح العالم العربي لاعباً رئيسياً في توازن القوى على الصعيد الدولي، لاسيما أنه يتمتع بمقومات الوحدة، من لغة وتاريخ وهوية وحضارة. كما كان بوسعهم أن يزاوجوا بين شأنهم المحلي والقومي، مدركين حقيقة أن التقدم لا يتحقق إلا بالوحدة. وربما ثمة اليوم حاجة عربية إلى التمعن في الشعار الشهير الذي أطلقه الزعيم الصيني الراحل "دينج شياو بينج"، وكان وصفة للتفوق الصيني، وهو: "راقبوا بهدوء، أمِّنوا موقعكم، تدبّروا شؤونكم بهدوء، أخفوا قدراتكم، وانتظروا الفرصة المناسبة، أتقنوا فن التواضع، وحذار من ادعاء القيادة".