ربما لا يوجد حديث يبعث على الحسرة، مثل الحديث عن غربة اللغة العربية بين أبنائها، ودخول اللغة الإنجليزية على ألسنة الكثير من شبابنا، لاسيما خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي جعل تلك الظاهرة إشارة على ما يمكن أن يكون تحدياً آخر ينتظر مجتمعاتنا على مستوى الهوية والثقافة، إذا ما استمرت هذه الظاهرة في الانتشار والتوسع. وفي مثل هذه الظروف ربما أصبحنا نشعر بالحنين لذلك الرباط العزيز الذي يجمعنا بلغة الضاد التي ننهل منها مفردات ثقافتنا وأصالتنا الحضارية. إنه واقع جديد لا نعرفه ولا ينتمي لنا، دخلت فيه اللغة الإنجليزية على ألسنة الكثير من أبناء مجتمعاتنا، بل إنها في أحيان عديدة اختلطت على أصحابها فخرجت منهم لغة «أنجلو عربية» لا يستطيع المرء تصنيفها، أو تحديد ماهيتها الثقافية! ما الذي يحدث لنا، نحن أبناء الديرة، أعني أبناء الإمارات الحبيبة، بلد الأصالة والعراقة والفخر بالتراث، حتى أصبح البعض منا يجعل من الرطانة بالإنجليزية رداءً يتجمل به بين الناس، بدل أن نجعل منها أداة لتطوير عقولنا ومعارفنا ومداركنا، عبر الاطلاع والانفتاح على الثقافات الأخرى. ألا يؤلم البعض انتشار ظاهرة التراجع عن لغتنا، جرياً وراء محاكاة الآخر، وإظهار التميز أمام الآخرين؟ ما الذي جعل شبابنا وأبناءنا يتناسون تاريخاً ليس بالبعيد، بل هو بالأمس القريب، حين كان آباؤنا وأجدادنا يضعون حجر الأساس لدولتنا الحديثة كأنداد للآخرين، لا تسلبهم بهارج الثقافات ولا يستهويهم تقليد المظاهر، بل كانوا يؤمنون حقاً بأنهم يمتلكون ما يمكن إعطاؤه لوطنهم وللآخرين. إن القصص عن طموحات الآباء تدفعنا إلى الاعتقاد حقاً بأن اللغة الإنجليزية لم تكن في يوم من الأيام الشرط الوحيد للثقافة والوصول إلى النجاح الاجتماعي، بل هناك في تاريخنا القريب والمعاصر المئات، بل الآلاف من المواطنين الناجحين في الاقتصاد وريادة الأعمال، ومن المتميزين اجتماعياً وفكرياً، وهم في الوقت نفسه لا يجيدون لغة أخرى غير اللغة العربية. واسمحوا لي هنا أن أعود بالقارئ العزيز إلى خمسة عقود خلت من عمر الإمارات، حين كان آباؤنا وأجدادنا شركاءً للإنجليز في كثير من جوانب حياتهم اليومية، لكن شراكة الند للند، دون الانسلاخ عن لغتهم العربية، أو تقاليدهم المحلية. ولا أدل على ذلك من كلمة "صاحب" التي كان ينادي المواطنُ بها البريطاني، والبريطانيُّ المواطنَ، وهي تدل على التكافؤ والندية والمشاركة الفاعلة، دون سيطرة لثقافة على ثقافة أخرى، فيتبادل الاثنان مفردات الثقافة بثقة الأصالة واحترام الجديد والمعاصر. هذه الصورة الناصعة من حال تاريخنا تقابلها اليوم صورة مختلفة بجميع المقاييس، وهي صورة الأب المواطن الذي يجلب إلى منزله مدرساً خصوصياً بأجر شهري ليعلم ابنه قواعد اللغة العربية؛ لغتنا الأم، ثم صورة أخرى نقلها خبر منشور قبل أيام عن حالات رسوب كثيرة للمتقدمين إلى الجامعات من طلبتنا "المواطنين" في امتحان اللغة العربية! لماذا لا نتذكر ماضينا القريب ونرى الواقع المحيط بنا من خلال نماذج النجاح العالمي الكثيرة الناصعة، ومنها تجربة الصين مثلاً، البلد الذي غزا العالم باقتصاده وصناعاته، ولم يسمح لنفسه أبداً بالتخلي عن لغته. ولعل المقلق في أيامنا وبين أبنائنا هو التعامل مع اللغة العربية كلغة ثانوية، أو كما يسمونها "سكند لانغويدج"، بل إنه أيضاً خلال تدريسها في مدارسنا يتم التعامل معها - للأسف - وكأنها لغة دخيلة على أبنائها، بعيدة عن روح اللغة القريبة من النفس كلغة أم. وهذا الأمر يفتح الأبواب على مصاريعها أمام مناقشة سبل تدريس اللغة العربية ومدى الاهتمام بإيصال حبها إلى الصغار من نعومة الأظفار لتكون في المستقبل قريبة إليهم ومحببة إلى نفوسهم. لذلك، نتمنى بصدق أن نعود إلى الثقة بلغتنا وهويتنا، كما نتمنى أن نرى باستمرار مبادرات تعليمية فعالة تضع البرامج والخطط التربوية لحماية اللغة العربية بين أبنائنا، وتزرع حبها في نفوس أجيالنا الجديدة لتعود اللغة الأم رداءً يستظل به الجميع. عبدالله إبراهيم دعيفس كاتب إماراتي