يمثل التنويع الاقتصادي أحد أهم الأهداف والغايات التنموية التي تضعها دولة الإمارات العربية المتحدة على رأس قائمة أولوياتها. ويبدو ذلك واضحاً على ملامح البرامج والخطط والرؤى الاقتصادية والتنموية التي تتبناها الدولة، بشتى مؤسساتها على المستويين المحلي والاتحادي. وترمي جهود الدولة في هذا الإطار إلى إيجاد مصادر جديدة ومتجددة للدخل، وتقليل الاعتماد على القطاع النفطي. وقد تمكنت الإمارات على مدار السنوات الماضية من أن تحقق إنجازات ملموسة في هذا الإطار؛ فتوسعت في الاستثمار في القطاعات غير النفطية، كالبنية التحتية والسياحة والتجارة والطاقة المتجددة والصناعة والخدمات المالية والخدمات اللوجستية وغيرها، وبالفعل تحولت هذه القطاعات إلى مصادر مهمة للدخل الوطني، وزاد إسهامها بشكل واضح في الناتج المحلي الإجمالي، وتمكنت منتجاتها من أن تشغل حيزاً مهماً من الصادرات الوطنية، بل إن دولة الإمارات باتت واحدة من الوجهات الاستثمارية العالمية الجاذبة للاستثمارات في هذه القطاعات، بفضل الخبرات الكبيرة التي اكتسبتها، وبفضل الحوافز والفرص الاستثمارية الواعدة فيها. لا تتوقف مسيرة دولة الإمارات ولا طموحاتها في مجال التنويع الاقتصادي عند حد معين. وفي هذا الإطار صدرت بعض البيانات عن «وزارة الاقتصاد» الإماراتية خلال الأيام الماضية، تحدثت عن توقعاتها بشأن تنامي مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي للدولة خلال السنوات المقبلة، كأحد محاور التنويع الاقتصادي، وترجح الوزارة في هذه التوقعات أن تزداد هذه المساهمة بما يتراوح مابين1 و3 في المئة، لتختتم العام الجاري عند مستوى 19 في المئة مقارنة بنحو 16 في المئة حالياً، وهذا سيكون إنجازاً كبيراً بالنسبة للاقتصاد الوطني؛ فهو يعني أن هذا الاقتصاد يمتلك قاعدة صناعية آخذة في الاتساع والتنامي بمرور الزمن، في دلالة على نجاح الجهود التي تبذلها الدولة في مجال التنويع الاقتصادي بشكل عام، وفي مجال النهضة الصناعية بشكل خاص. إن تنامي حجم المكون الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي في أي دولة من أهم المؤشرات التي يستعان بها للاستدلال على مستوى التطور والتقدم الاقتصادي، وهو بدوره يمثل أحد المؤشرات المهمة على تنامي حجم المكون المعرفي في الناتج المحلي الإجمالي لتلك الدولة، والمؤشران لهما قيمة كبيرة في قياس البعد التنموي في الاقتصاد الوطني، ومدى ابتعاد هذا الاقتصاد عن المراحل الأولى في العملية التنموية، التي تعتمد بشكل خاص على مصادر الدخل الريعية وعلى القطاع الزراعي والمنتجات الأولية، والانتقال إلى مراحل أكثر تطوراً، يزداد فيها حجم القيمة المضافة المتولدة عن القطاعات ذات الدور التحويلي، والمعتمدة بشكل أكبر على الإبداع والابتكار وطرق الإنتاج والتكنولوجيا الحديثة والعمالة الماهرة. إن تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة على طريق التصنيع في الوقت الحالي، والتوسع الذي من المتوقع -وفقاً للمعطيات المذكورة- أن يستمر في قواعدها الصناعية خلال السنوات المقبلة، يعد وجهاً ناصعاً من وجوه النجاح بالنسبة للسياسات الاقتصادية بشكل عام، وسياسات التنويع الاقتصادي بشكل خاص، وهو دليل مؤكد على أن الدولة تنتقل إلى الأمام على طريق التحول إلى «الاقتصاد المبني على المعرفة»، والذي يعطي للابتكار والإبداع مكانة خاصة ضمن اهتماماته وبرامجه الحالية والمستقبلية. ــــ ـ ـ ــ ـ ـ ـ ــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.