كثيرون منا يتمنون السعادة والفرح في العام الجديد! وكثيرون تبادلوا العديد من الأمنيات الطيبة بعام سعيد قادم يخلف العام الماضي، الذي في واقع الأمر لم يكن سعيداً ولم يكن مباركاً! لأن جروح بعضنا اتسعت مساحتها، وآلام بعضنا ازدادت ضراوة، وصحة بعضنا لم تعد كما كانت، كما أن بعضنا فقد أعزاء رحلوا عن هذا العالم. العام الماضي قد يكون سعيداً لكثيرين ممن أقبلوا مستجدين على الحياة، ووجدوا الفضاءات الشاسعة ترحب بهم، والطرق معبدة لتحقيق طموحاتهم، وهؤلاء نرجو لهم المزيد من السعادة والنجاحات. وهنالك آخرون وجدوا أنفسهم في ظروف صعبة، ولم يتمكنوا من تحقيق آمالهم، وكان عليهم الصبر على الابتلاء. لا ندعو هنا إلى اليأس، فاليأس يجعل لون الحياة قاتماً، ويخلق أجواء التكالب ولربما المرض واليأس من رحمة الله. بل ندعو إلى الأمل مهما زادت حلكة الليل، ومهما طال تحدي النهار. على المستوى العربي لم تتوقف أنهار الدم في سوريا الجريحة خلال العام الماضي، ولم تلح في الأفق أية بادرة لوقف القتل المروع الذي زاد عدد ضحاياه قرابة 60 ألف شخص، لا ذنب لهم إلا المطالبة بالكرامة والعيش مثل بقية البشر. وعلى مدى حوالي العامين، تهدمت البنى التحتية وانهارت المنازل على رؤوس أصحابها وتشرد مئات الآلاف في العراء بانتظار (عودة الوعي) للنظام الذي استخدم كل إمكاناته في قتل الشعب، بعد أن دفع الشعب سنوات من عمره وماله لشراء الرصاص والصواريخ والطائرات التي أمل أن توجه نحو العدو المشترك للأمة والحكومة والشعب. وما زال النظام يتلذذ بمشاهد القتل والدمار وكأنه لا يعنيه شيء ولم تفلح المبادرات الدولية والإقليمية -حتى اللحظة- في وقف أشرس حرب ضد الإنسانية بعد الحرب العالمية. وفي مصر حربٌ من نوع آخر! إنها حرب فكرية بين فقهاء القانون والليبراليين المعارضين والفنانين والمفكرين والأدباء من جهة، وبين النظام الجديد الذي جاء بالإخوان المسلمين إلى سدة الحكم من جهة أخرى. وانشطر المجتمع المصري ومنتقدو النظام يتخوفون من تحويل مصر، المعروفة بالانفتاح والتعددية، إلى «قندهار» جديدة، بما يعيد حضارة مصر وطموحات شبابها ومفكريها ومنجزاتهم الأدبية والفنية والعلمية إلى العصور الوسطى ويجبرها على الاستقالة من دورها الحضاري في المساهمة مع الدول المتحضرة في الهيئات الدولية السياسية والثقافية والاجتماعية، ويرهنها في دائرة ضيقة، بعيدة عن الدور المصري المعروف. فكم من دعوة ظهرت على شكل «فتوى» لإغلاق المحال التجارية عند التاسعة والمطاعم عند الحادية عشرة؟ وكم من «فتوى» ظهرت لتحطيم الأهرامات وأبي الهول، التي تعد إرثاً إنسانياً وحضارياً لكل البشر؟ وهذا ما سجلته «اليونسكو» في ملفاتها. وكم من دعوة و«فتوى» ظهرت بتكفير وتحقير فنانين وفنانات لهم دور مشرف في تنوير المجتمع والارتقاء بمفاهيمه الاجتماعية والنفسية والثقافية؟ وما يجري على الساحة المصرية هذه الأيام لا يسرّ! ونأمل ألا يستمر في العام الجديد، وأن يتفق المصريون على ما يحقق آمال الشعب بكل فئاته. وعدم استئثار فئة معينة -مهما كانت- بتاريخ ومقدرات 80 مليون مصري لهم الحق في العيش الكريم، والاتفاق على شكل مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، وأن تعود بلادهم رائدة وقائدة للعالم العربي والإسلامي بروح من التآخي ونبذ العنف والتطرف والانفراد بالرأي. وعام 2012 لم يكن سعيداً في اليمن، الذي ما زال يضمد جراح ثلاثين عاماً من الحكم الديكتاتوري، إلا أن العصبية والأمية والبطالة ما زالت تفت في عضد هذا البلد العربي الذي أسماه التاريخ يوماً «اليمن السعيد». وفي فلسطين أيضاً لم يكن العام الماضي سعيداً، مع اعتراف الأمم المتحدة بفلسطين دولة عضواً مراقباً في المنظمة الدولية. إذ ما زال الفرقاء الفلسطينيون غير قادرين على توحيد كلمتهم في الضفة والقطاع! وما زالت آلة الحرب الإسرائيلية تمارس غطرستها على الزرع والضرع، وتمنع أساسيات الحياة من الوصول إلى الشعب المُحاصر، في الوقت الذي يزداد فيه الاستيطان وتنحسر مساحات الحلم الفلسطيني بالعودة وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وفي المغرب العربي ما زالت أجواء الحوار مختنقة حول شكل الحياة المطلوبة، بعض الحوار يجري عبر العقل في المغرب، وبعضه عبر آلة الحرب كما هو الحال في ليبيا التي تخلصت من الديكتاتورية، إلا أنها حتى الآن لم تتحول من الثورة إلى الدولة التي تجمع كل الليبيين. وفي العراق برز الشكل الطائفي كعملاق في المعادلة السياسية ولم يتمكن هذا البلد من الوصول إلى الحكم الرشيد والديمقراطي بعد عشر سنوات من الإطاحة بالديكتاتورية الصدامية، ويبدو أن عام 2013 لن يكون بأفضل من سابقه بالنسبة للعراق. وفي السودان والصومال وبقية الدول توجد هموم محلية وإقليمية كما كانت في العام الفائت، وبوادر الانشقاق تلوح في الأفق أكثر من بوادر السعادة والفرح، وخصوصاً بعد انفصال جنوب السودان، وتقاتل الجماعات المختلفة في الصومال، كما تلعب العوامل الطائفية والإثنية دوراً في إذكاء روح الانتقام والتشفي. وفي دول مجلس التعاون الخليجي -الفردوس الموجود لملايين العرب والأجانب- هنالك إنجازات وتطلعات، عبر مزيد من التحديث، وحديث الشارع الخليجي حول التوجه نحو الوحدة الخليجية كان هو الطاغي عام 2012، وهنالك حديث آخر عن ضرورة مزيد من الأمن تحسباً لاختلالات عسكرية وأمنية تصدرها دول الجوار. ولكن تبقى دول مجلس التعاون الأكثر وعداً بالفرح مع عام 2013، على رغم عدم وضوح الحوار التحديثي، ووجود «بؤر» توتر على الأرض والبحر والجو. هذا تصّور مختصر لما يجري في العالم العربي، ما يؤكد أن عام الحزن الفائت، لن يورّث عاماً يختلف عنه!.