بعد جريمة الاغتصاب الجماعية التي تعرضت لها طالبة في الهند وأدت إلى مقتلها وما أثارته من احتجاجات عارمة هناك مطالبة بتغيير القوانين وتقويم النظرة الثقافية تجاه النساء والتشديد على حمايتهن على نحو أفضل، تبدو هذه الحادثة فرصة أيضاً لتذكير الولايات المتحدة بأن الوقت قد حان للمصادقة على ما بات يعرف في الأمم المتحدة بوثيقة حقوق المرأة، فعلى رغم ما أظهرته أميركا من ريادة في عدد من القضايا المرتبطة بالمرأة وحقوقها يظل فشلها في المصادقة على معاهدة أساسية تهم تلك الحقوق وصمة عار على جبين الولايات المتحدة. والمعاهدة المعنية هي اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد النساء، إذ من بين دول العالم التي تبنت المعاهدة ظلت فقط ثماني دول ترفض المصادقة عليها وفي ذلك تأتي الولايات المتحدة جنباً إلى جنب مع دول مثل إيران والصومال والسودان، ولذا يتعين على إدارة أوباما التحرك العاجل لضمان المصادقة على المعاهدة وإنهاء الحرج الذي تعاني منه أميركا في المحافل الدولية بسببها وهي المدافعة عن حقوق الإنسان والديمقراطية. ومن اللافت أن الولايات المتحدة كانت من الدول الأولى التي ساهمت في صياغة نص تلك المعاهدة وبنودها خلال إدارة كارتر في عام 1980، ولكن منذ ذلك الحين لم تعرف طريقها إلى التصديق بسبب مماطلة مجلس الشيوخ لأكثر من ثلاثين عاماً، والسبب هو ما يثيره منتقدو المعاهدة من تحفظات ليست صحيحة مثل القول إن الاتفاقية الدولية المناهضة للتمييز ضد المرأة تبيح الإجهاض وترخص لممارسة الدعارة. والحال أن هذه الفكرة بعيدة عن الواقع، فعلى رغم أن لجنة الخبراء المستقلين الذين يراقبون احترام بنود المعاهدة دولياً ويشرفون على تنفيذها دعوا إلى عدم تجريم الإجهاض لما يؤديه ذلك من تفشي عمليات الإجهاض السرية مع ما يشكله من خطورة على الصحة، إلا أن المعاهدة في الحقيقة تتبنى موقفاً محايداً بشأن قضية الإجهاض حسب ما جاء في تقييم وزارة الخارجية الأميركية. والمعاهدة لا تتضمن حق الإجهاض في بنودها وتترك الأمر للدول، وأكثر من هذا أن هناك بلداناً تجرم الإجهاض وتحظره مثل إيرلندا ورواندا ولكن لم يمنعها ذلك من التوقيع على المعاهدة. أما التبرير الثاني الذي يستخدمه معارضو المعاهدة لحشد الأصوات ضدها فيتعلق بالترخيص للدعارة، وهو ادعاء خاطئ تماماً، فالمعاهدة تنص بوضوح على اتخاذ الإجراءات كافة لمنع الاتجار في البشر وتهريب الرقيق الأبيض، ولكنها ترفض متابعة ضحايا الاتجار بالبشر، وهو أمر مختلف تماماً عن الترخيص للدعارة. ومن بين المواقف الأخرى التي يستند إليها المعارضون أيضاً موضوع انتهاك سيادة الدول، ولاسيما فيما يتعلق بعملية المراقبة التي تمارسها لجان خاصة تسهر على تنفيذ بنود المعاهدة، خاضعة لسلطة الأمم المتحدة، والحقيقة أن أغلب دول العالم تقبل المراقبة دون مشاكل، بل حتى الولايات المتحدة التي تدعو دائماً إلى تنسيق دولي لمراقبة الحدود ومنع التهريب، عليها هي أيضاً فتح سجلاتها للجنة الأممية دون حرج. ولكن ربما يكون السبب الأبرز الذي يقف في وجه المصادقة على معاهدة مناهضة التمييز ضد المرأة في الكونجرس الأميركي هو الاعتقاد بأنه لا مصلحة لأميركا في ذلك. ولكن، ما هي الفوائد المحتملة للمعاهدة بالنسبة للولايات المتحدة؟ الحقيقة أن المعاهدة وبعيداً عن تهمة فرض أجندات خارجية على الدول ساهمت بشكل كبير في إدخال التغييرات الضرورية، التشريعية والمجتمعية، على الترسانة القانونية للدول من أجل ضمان حماية أفضل للنساء وتمكينهن من حقوقهن، وهكذا استفادت بنجلاديش مثلا من المعاهدة لتحسين ظروف المساواة بين الجنسين في المدارس الابتدائية، وفي كينيا استخدمت من قبل السلطات لإزالة التفرقة ضد النساء في مجال الإرث الذي عانت منه الأرامل والبنات، أما أفغانستان فقد اعتمدت على المعاهدة لإقرار المساواة بين الرجل والمرأة أمام القانون، وفي عام 2007 حثت اللجنة المكلفة بمراقبة تطبيق المعاهدة الهند على مراجعة قوانينها لحماية المرأة من جرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي. ويعترف الدبلوماسيون الأميركيون العاملون في الخارج ومعهم المسؤولون في المنظمات الدولية بأن امتناع الولايات المتحدة عن المصادقة على المعاهدة يعيق جهود واشنطن في دعم وتعزيز حقوق المرأة في العالم، مشيرين إلى أن لسان حال الدول يقول «لا تلقوا علينا المحاضرات بشأن احترام حقوق النساء، صادقوا أولاً على معاهدة عدم التمييز ضد المرأة ثم تحدثوا إلينا»، هذا ولا ننسى أن المصادقة على المعاهدة من شأنها تصويب بعض الاختلالات في أميركا نفسها، ولاسيما المساواة في الرواتب بين النساء والرجال في المجتمع الأميركي واستفادة النساء من إجازة الولادة مدفوعة الأجر، والحد من العنف ضد المرأة، وفي حال المصادقة على المعاهدة ستكون أميركا مطالبة برفع تقرير إلى اللجنة الخاصة كل أربع سنوات تتم مراجعته في جلسة علنية ما سيشكل فرصة لرصد السلبيات والتعرف على مشاكل النساء في المجتمع الأميركي وفتح نقاش حول سبل الإصلاح. جينفر نوريس ــــــــــــــ محامية أميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة ــ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»