في كتابه «أناس دمويون وأشرار... صعود اليمين البريطاني»، يعالج المؤلف "دانييل تريلينج"، المحرر بصحيفة "نيوستيتمان" المتخصص في شؤون اليمين البريطاني، موضوع صعود اليمين من خلال أسلوب متدفق وسرد آسر. ويقول تريلينج إن الحكاية بدأت على النحو التالي: في عام 1967 اتحد عدد من الجماعات السياسية الصغيرة المنتمية لليمين المتطرف في "حزب الجبهة القومية". وبمرور الزمن اكتسب ذلك الحزب قدراً من الجسارة جراء أحداث محلية منها خطاب "إينوك باول" الشهير عام 1968 الذي تحدث فيه عن" أنهار الدم"، ومنها قبول حكومة "إدوارد هيث" دخول 27 ألف آسيوي طردوا من أوغندا عام 1972. واستغل "جون تيندال"، السياسي الذي يتبنى أفكار النازية الجديدة، تلك الظروف واستطاع اختطاف الحزب، وتسلم قيادته وسعى لتغييره. وفي عهده شهد الحزب زيادة في عدد أعضائه ونسبة الأصوات التي يحصل عليها، لكن ذلك لم يزد عدد مقاعده في انتخابات المجالس المحلية طيلة السبعينيات. وبسبب الهجمات الأيديولوجية، والبدنية من قبل الحركات المناوئة للفاشية التي تعرضت لها قيادة الحزب وأعضاؤه، والتحدي الذي واجهه من قبل قيادة يمينية أكثر محافظة من خارج الحزب، تعرض حزب الجبهة القومية لهزيمة مهينة في الانتخابات العامة عام 1979. وفي عقد الثمانينيات، سيطر على الحزب فصيل عنصري كان يستمد إلهامه من "استراتيجية التوتر" التي اشتهرت بها الفاشية الإيطالية. في ذلك العقد رأى "تيندال" في حزبه الجديد الذي أعاد تسميته "الحزب القومي البريطاني"، بديلاً أكثر تقليدية للفاشية الجديدة. بيد أن الحزب فشل تحت قيادته المتعثرة في استثمار الغضب ضد الفتوى التي أصدرها الخميني بإباحة دم سليمان رشدي، كما واجه معارضة مستمرة من الأحزاب والجماعات المناوئة للفاشية حالت بينه وبين تنظيم حزبه على النحو الذي يمكنه من المنافسة الانتخابية، لدرجة أنه عندما اضطر للعودة لصناديق الاقتراع عام 1993، تحت شعار "الحقوق للبيض فقط"، لم يتمكن في انتخابات المجالس المحلية في منطقة "تاور هملتس" التي تسكنها غالبية مسلمة، سوى من كسب صوت واحد فقط. أما الفوز الذي أحرزه الحزب بفضل جهود عضو المجلس البلدي اليميني المتطرف "ديريك بيكون"، فقد كان قصير العمر، لكنه كان في الوقت نفسه بمثابة بروفة أو إرهاص بما هو قادم. فبحلول 1999 كان "تيندال" قد أزيح من قبل سياسي متخرج من جامعة كامبردج ومتعطش لإنكار حدوث الهولوكوست، هو "نيك جريفين" الذي انطلق منذ الوهلة الأولى في مهمة تحديث الحزب عبر التخلي عن أكثر سياساته إثارة للسخرية والاحتقار، وهي سياسة الترحيل الإجباري لكافة سكان بريطانيا من غير البيض. ويمكن القول، إن الحزب القومي البريطاني تحت قيادة جريفين، شأنه شأن الجبهة القومية في عقد السبعينيات، كان ذا رمزية مزدوجة، حيث إذ مثل "إحساساً بالانتماء لشيء خاص جداً"، بينما كان لا يزيد في نظر "الناخبين العاديين" عن كونه خياراً آخر من الخيارات المتاحة في المشهد السياسي. وقبل انطلاق انتخابات 2010 بدا الحزب القومي البريطاني، وكأنه على وشك تحقيق اختراق في الانتخابات، بعد ازدياد نفوذ اليمين في بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية، وصعود العديد من الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تبنت أجندات مضادة للجاليات المهاجرة (المسلمة خاصة)، لكن الحزب فشل إلى حد كبير، ليس بسبب انهياره من الداخل، وإنما بسبب المعارضة التي واجهها من قبل المنظمات والأحزاب المناوئة للفاشية، والتي نجحت في تحقيق مرادها. وفهم السبب الذي جعل اليمين المتطرف، وعلى وجه الخصوص النسخ الحالية منه تخسر على هذا النحو، أمر ذو أهمية مفتاحية، لأن القاعدة الانتخابية لليمين القديم، والتي سعت هذه النسخ لتمثيلها لم تكن قد اختفت. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الحزب القومي البريطاني وحزب الاستقلال البريطاني المناوئ للاتحاد الأوروبي والعمال، ورابطة الدفاع الإنجليزية التي تسعى لتحقيق الاعتراف بها كحزب سياسي، يمكن عن طريق أجنداتها الشعبوية المناهضة للهجرة، أن تمثل تهديداً للمحافظين في انتخابات عام 2015. وينهي المؤلف كتابه بالقول، إن اليمين المتطرف فشل في الإقلاع كقوة انتخابية جادة في السبعينيات بسبب فاشيته وعنفه، وفشل في آخر انتخابات أجريت في بريطانيا لنفس السبب، ولأن أعضاءه دمويون وأشرار، ولكن كل ذلك لا يجب أن يجعل قوى المجتمع الحية الباحثة عن العدالة والمساواة واحترام الإنسان، تخفف من استعدادها أو تهوّن من شأن اليمين الذي يمكن أن يقفز للسلطة في غفلة من الزمن. سعيد كامل -------- الكتاب: أناس دمويون وأشرار... صعود اليمين المتطرف البريطاني المؤلف: دانيل تريلينج الناشر: فيرسو بوكس تاريخ النشر: 2012