الحديث عن شراذم أنصار النظام العراقي السابق يستدعي إلى الذهن كلما ذكروا بعد سقوطه من باتوا يسمون بـ"أيتام صدام". والمقصود طبعاً بهذه العبارة "كوكتيل" واسع من أنواع الوجوه والأصوات والأقلام التي شكلت حتى عهد قريب كورال المدافعين عن صدام وجرائم نظامه في حق الشعب العراقي. ويضم هذا "الكوكتيل" بعض الكتاب في صحف بعينها، وذوي الحناجر الغوغائية الذين طالما صالوا وجالوا على شاشات بعض الفضائيات العربية التي اختطت لنفسها خطاً شعبوياً منافقاً، إضافة إلى بعض وجوه "المجتمع المدني" المزعوم ،العرب والأجانب كبعض مسؤولي النقابات والمحامين والبرلمانيين العرب... والقائمة تطول.
هؤلاء وأولئك درجوا خلال السنوات الماضية على ترديد شعار مؤداه أنهم لا يدافعون عن النظام العراقي السابق، وأنهم لم يكونوا يدافعون عن جرائم صدام وبطانته، وإنما دافعهم إلى ذلك هو التعاطف مع أطفال العراق، الذين يموتون بالآلاف نتيجة الحصار، إلى آخر تلك الأسطوانة المشروخة. حسناً، صدَّقنا وآمنـّا بهذه "الغضبة المُضرية"، لكن أين هؤلاء اليوم من وضع أطفال العراق؟ هل سمعتم أحداً من هؤلاء تحدث في فضائية عربية أو أجنبية عن معاناة العراقيين البسطاء منذ انهيار نظام صدام؟
إن من يقدم المساعدة الحقيقية اليوم لأطفال العراق هو المنظمات الإنسانية الدولية، التي وجدت نفسها الآن مضطرة للأسف لحمل أمتعتها والرحيل عن العراق تاركة وراءها أطفالا مرضى، وأسراً متعففة يعلم الله وحده حالها، ومستشفيات متهالكة مع أنها تغص بالجرحى والمرضى من كل صنف ولون.
لماذا لا نسمع صوتاً ينادي باستثناء المنظمات الإنسانية من الاستهداف، إن لم يكن من أجل شرف مبادئها ومقاصدها وحياديتها المشهودة، فليكن على الأقل من أجل عيون أطفال العراق؟ لماذا يتكالب الجميع على أطفال العراق وبسطائه، ليقطعوا أمامهم أي خيط أمل في الحياة الكريمة، حتى ولو كان قادماً من مصادر إنسانية غير عربية ولا إسلامية؟ لقد أصبح اختطاف العاملين في هذه الهيئات رياضة صباحية تتبارى فيها منظمات الإرهاب والجريمة المنظمة، وتبدأ بمطالب سياسية غوغائية، وتنتهي بالمساومة الدنيئة على حقائب الدولارات!
أما بعض الفضائيات العربية وبعض دول الجوار المراهنة على إفشال المشروع الأميركي في العراق، بالإضافة طبعاً إلى منظمات العنف بجميع أنواعها التي وجدت في الفوضى العراقية فرصة سانحة، فكل هؤلاء لا يهمهم سوى تحقيق أهدافهم الأنانية الرخيصة التي تتراوح بين تحقيق الرواج الإعلامي، واستباق أية عملية إصلاح، وانتهاء بأوراق الدولارات الخضراء.
لكن على الجميع أن يعرفوا أن وقود إفشال المشروع الأميركي هو دماء العراقيين البسطاء، وتلاشي بصيص الأمل الذي طالما انتظروه منذ أجيال. ومن هنا فإن على كل الوالغين في الدم العراقي والعابثين بمستقبل هذا الشعب وذلك البلد أن يعرفوا أن ما يراهنون عليه عارٍ من أية قيمة وطنية أو أخلاقية. كما أن على بعض دول جوار العراق أن تعرف أنها تضر أبلغ الضرر بمصالح المنطقة، وذلك بمحاولتها إفشال المشروع الأميركي، على أمل أن يقف عند حدود التجربة العراقية الدامية، وعلى أمل أن يرحل الأميركيون تاركين المنطقة نهباً للعنف والفوضى الطليقة، لكي يسيطروا هم عليها وعلى مقدراتها، ويكونوا ورثة المشروع الأميركي فيها.