الهاوية التي نجحت أميركا في تفاديها في الوقت المناسب، والتي نقصدها في هذا المقال، لم تكن الهاوية المالية التي كثر الحديث حولها في الآونة الأخيرة، وإنما هاوية تتعلق بأرصفة الموانئ الأميركية. ففي يوم الجمعة الماضي، توصل مشغلو الموانئ وشركات الشحن، إلى اتفاق مع الاتحاد الذي يمثل 15 ألفاً من العاملين في شحن وتفريغ البضائع من السفن في الموانئ المطلة على المحيط الأطلسي وخليج المكسيك. وكانت النقطة الرئيسية التي أجّلت توقيع الاتفاق الجديد هي زيادة الأجور التي يتقاضاها هؤلاء العمال على الحاويات التي يقومون بشحنها وتفريغها. وعلى ما يبدو، فإن الاتحاد الممثل لهم قد وافق على إنهاء الإضراب الذي كان مقرراً له هذا الأسبوع، في حالة عدم التوصل إلى حل للمشكلة، ما أنقذ أميركا من توقف للعمل في الموانئ كان يمكن أن يؤدي إلى إبطاء حركة الصادرات والواردات بدرجة كبيرة، وإلحاق أضرار فادحة بالاقتصاد الأميركي الذي يكافح للخروج من الركود. ولو كان هؤلاء العمال قد نفذوا تهديدهم لكان ذلك قد جعل منهم هدفاً سهلاً للهجوم. فمن المعروف أن عمال الشحن والتفريغ- في الولايات المتحدة خاصة- يحصلون على أفضل أجور، مقارنة ببقية أصحاب الياقات الزرقاء في الولايات المتحدة، حيث يمكن أن يصل دخل الواحد منهم إلى ما يزيد على 100 ألف دولار سنوياً، وهو ما يجعلهم هدفاً للهجوم لكل من يريد توجيه سهام نقده إلى الاتحادات الممثلة لهم. وعلاوة على ذلك، فإن هؤلاء العمال يمثلون مصدراً لدهشة العديد من الأميركيين غير القادرين على تخيل كيف يمكن لفئة غير متخصصة من العمال أن تحصل على هذا القدر المرتفع من الأجور، والذي يفوق ما يحصل عليه المتخصصون في كثير من المهن. لكن فك لغز الأجور المرتفعة التي يحصل عليها عمال الشحن والتفريغ يتطلب منا الذهاب مسافة بعيدة، سواء فيما يتعلق بشرح الاقتصاد الأميركي أو شرح المستقبل المحتمل لذلك الاقتصاد. فالأسباب التي تجعل عمال الشحن والتفريغ قادرين على الحصول على ما يريدونه من أجور، هي الآتي: أولا: إن هناك عدداً قليلاً منهم. ثانياً: إنهم على درجة كبيرة من البراعة والإنتاجية. ثالثاً: إن طبيعة عملهم تجعل من الصعب نقله من مكان إلى مكان. رابعاً: إن هناك اتحادات قوية تمثلهم في مختلف الموانئ. في عقد الخمسينيات- وهو العقد الذي عرض فيه الفيلم الشهير "على الواجهة البحرية"- كان عدد عمال الشحن والتفريغ العاملين في ميناءي نيويورك ونيوجيرسي يبلغ 35 ألف عامل، مقارنة بعددهم الحالي الذي لا يزيد على 3500 عامل يقومون بشحن وتفريغ كميات من البضائع تفوق بما لا يقاس ما كان أسلافهم يقومون به. لا شك أن طرق الشحن والتفريغ قد تطورت تطوراً كبيراً الآن عما كانت عليه في الماضي. فحالياً يتم تحميل كميات هائلة من البضائع داخل حاويات، يتم وضعها بعد ذلك فوق شاحنات أو عربات سكك حديدية، ورفعها بوسائل آلية لأسطح سفن الشحن العملاقة، وتنزيلها في موانئ الوصول بنفس الوسائل الآلية لتنطلق من الموانئ إلى المصانع والشركات والجهات المتجهة إليها. أما في الماضي، فكان عمال الشحن والتفريغ يقومون برفع كميات أقل كثيراً من البضائع بحبال متينة إلى الرافعات الضخمة التي تقوم بتحريك الحاويات بين السفينة والميناء. المهمة الحالية لعمال الشحن والتفريغ تتطلب عدداً أقل كثيراً، وإن كان أفضل تدريباً من عمال الشحن والتفريغ، مقارنة بما كانت تحتاجه المهمة في السابق. وعندما تغيرت طرق الشحن والتفريغ، توصل عمال الموانئ في الساحل الغربي (وبعد ذلك في الساحل الشرقي) إلى صفقة مع الشركات المشغّلة تقوم على القبول بتخفيض أعدادهم على أن يتم حصول العمال الذين يبقون على أرصفة الميناء بعد عملية التطوير على نصيبهم العادل من المكاسب الهائلة التي تحققت نتيجة تحديث عمليات الشحن والتفريغ، وقد تضمنت الصفقة أيضاً حصول العمال الذين تقرر الاستغناء عنهم على مكافآت نهاية خدمة سخية مقابل تركهم العمل. لكن قصة الأجور المرتفعة لعمال الشحن والتفريغ في الموانئ قصة استثنائية. فرغم أن العمال، ونتيجة للتطور المستمر، يصبحون أكثر إنتاجية على الدوام، وهو ما يؤدي لتقليص أعدادهم نتيجة لإحلال الآلة محل الإنسان في حالات كثيرة، ويؤدي في نفس الوقت لارتفاع رواتبهم، لأن العمل في هذه الحالة سوف يحتاج إلى درجة كبيرة من التخصص، إلا أن هذا لا يحدث مع جميع العمال في الولايات المتحدة. فرغم أن إنتاجية هؤلاء العمال تزداد وأعدادهم تتقلص، فإن رواتبهم تظل مع ذلك ثابتة لفترات طويلة، هذا إذا لم يتم تقليصها. ولا ينجو من هذا المصير سوى العمال الذين ترعاهم اتحادات قوية مثل عمال الحديد والصلب وعمال الشحن والتفريغ كما في حالتنا. والسؤال الذي يطرح نفسه على ضوء ذلك: في عالم يتجه على نحو حثيث نحو الآلات والأجهزة الذكية، كيف سيكون مصير العمال المتبقين؟ إن الدرس الذي يقدمه لنا عمال الشحن والتفريغ، كما بين هذا المقال، هو أن العمال، وبصرف النظر عن إنتاجيتهم، يحتاجون إلى قوة -في شكل اتحاد أو نقابة- تحميهم وتدافع عن حقوقهم، إذا ما أرادوا -وأرادت الأمة معهم- تحقيق الازدهار الوطني. -------- هارولد ميارسون كاتب ومحلل سياسي أميركي --------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"