طيلة القرون الغابرة والعالم لا يعرف من الحكم إلا المستبد، تارة باسم السماء، وتارة أخرى بالتغلب والقهر، سواء بالجند أو العصبة، كما امتد تسويغ الاستبداد إلى ادعاء المستبدين بأنهم الأكثر علماً ومعرفة، وأن العوام يفتقرون إلى الشروط الضرورية لممارسة الحكم، وليست لديهم القدرة على فهم الدوافع التي تجعل نظام الحكم يتخذ القرار على نحو قد يرونه هم استبداداً بالأمر أو تنكيلاً بهم. وبناء على هذه المسوغات لم يكن هناك نظام حكم ومحكومون على مدار قرون طويلة، بل مالك وأقنان، سيد ومسود، سلطان ورعية، لا حقوق لها إلا ما يجود به من بيده مقاليد الأمر، ولا حريات لها إلا بقدر ما يغفل عنه أو يتركه عفواً أو استهانة. ومن أمثلة المستبدين: الإمبراطور الروماني كاليجولا، والإمبراطور الروماني نيرون، والحجاج بن يوسف الثقفي، وجنكيز خان، وهولاكو، وتيمورلنك، والقيصر الروسي إيفان الرهيب، ولويس الرابع عشر إمبراطور فرنسا، وروبسبير طاغية الثورة الفرنسية، وشارل الأول ملك إنجلترا، وتشاي كان شيك طاغية الصين، وأدولف هتلر، وموسوليني، والإمبراطور الإثيوبي هيلاسيلاسي، وباتيستا حاكم كوبا، وسالازار طاغية البرتغال، وفرانكو طاغية إسبانيا، وعيدي أمين طاغية أوغندا، ومحمد رضا بهلوي ملك إيران، وبوكاسا رئيس أفريقيا الوسطى، وحافظ الأسد وابنه بشار في سوريا، والقذافي طاغية ليبيا. وحتى عهد مونتسكيو استخدم العلماء والفلاسفة خلال تلك القرون كلمات أو مصطلحات أخرى للتعبير عن الاستبداد، مثل "الطغيان"، الذي عُني به الحكم القسري الذي يهضم الحرية ويخرق الحكومة الدستورية وحكم القانون. وقد اعتبر أرسطو الطغيان حالة مرَضية بالنسبة لليونانيين وطبيعية بالنسبة للآسيويين، وربط بينه وبين سعي الملك إلى تحقيق منفعته الشخصية، حتى لو اضطر إلى استخدام العنف، مع تجاهل مصلحة الشعب. أما أفلاطون فعرف "حكومة الطغيان" بأنها سلطة الفرد الظالم، أو الجائر، حيث يسود الجور الكامل. وعرفت الثقافة العربية- الإسلامية مصطلح "الطاغوت"، الذي يعني مجاوزة القدر والارتفاع والمغالاة في الكفر، وبذا يصبح الطغيان هو مجاوزة الحد في العصيان. وبينما اعتبر الإمام مالك أن الطاغوت هو ما عبد من دون الله فإن ابن القيم الجوزية توسع في تبيان مدلول المفهوم، فرأى أن الطاغوت هو "كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو طاغوت، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله". واعتبر الفقهاء واللغويون أن "الطغيان" أشد وأعم من "العتوّ"، لأن الأول ينطوي على إكراه مع غلبة وقهر، أما الثاني، فهو المبالغة في المكروه فقط. كما ينطوي الطغيان على نقيصتي "الجبر" و"القهر" اللتين يمكن للمستبد أن يبتعد عنهما في ممارسته، أو لا يكون مضطراً بالضرورة إلى تنفيذهما كي يمسك بمقاليد الأمور في يده، بل قد لا يلجأ إلى أي تصرفات عنيفة ضاغطة على المحكومين أصلاً. ومعنى هذا أن الاستبداد يأتي مغلفاً بأساليب وخطابات ناعمة تغلفه وتخدع الناس به، أما الطغيان فيمارس وفق تنكيل ممنهج بالناس ورغبة دفينة في إيذائهم بدنياً ومعنوياً. والمستبد يمكن أن يتحكم في الأمر ظناً منه أن هذا في مصلحة شعبه، أو أن الظروف تتطلب هذا، وأنه في حاجة ماسة إلى هذا التحكم ولو لبعض الوقت حتى يصل إلى الخير الذي يسعى إليه ولا يصبر الناس عليه حتى يبلغه. أما الطاغية فهو مسرف بطبعه في ظلم الرعية والبطش بها. وهناك عدة مداخل لتفسير الاستبداد، أولها نفسي، حيث يعزى الاستبداد إلى نزعة السيطرة أو السادية التي يقابلها خضوع أو "مازوخية" لدى الأتباع. وثانيها نفسي- اجتماعي يضع عبء الاستبداد على المحكومين الذين يستسلمون للعسف والظلم، إما عبر الإكراه أو الخداع. وثالثها لا يعيد الاستبداد إلى سلوك فرد مستبد بل إلى البنية الاجتماعية التي تنطوي على عناصر اقتصادية واجتماعية غير متوازنة وغير متكافئة تتفاقم من الزمن وقد لا يلوح في الأفق أي حل أو بادرة لإنهاء هذا الخلل إلا بثورة عارمة، فيسعى النظام السياسي أو تقوم السلطة الحاكمة باتخاذ ما يلزم في سبيل الإبقاء على الوضع القائم وفرضه قسراً ومنع تفجيره. وفي عام 1957 صك "ويتفوجل" مصطلح "الاستبداد الشرقي" ليصف أنظمة الحكم التي تعيش ما يسمى بـ"نمط الإنتاج الآسيوي" وفق الصياغة الماركسية، حيث المجتمعات النهرية "الهيدروليكية" التي تتحكم فيها السلطة عبر جهاز بيروقراطي مركزي في تنظيم الري، ولا يجد المزارعون بداً من طاعتها في صمت وخضوع، حتى يزرعوا أراضيهم، أو يجدوا ما يقيم أودهم. ولكن الغربيين أنفسهم لم ينجوا من الاستبداد إلا في القرون الثلاثة الأخيرة، بعد أن ظلوا قروناً يرزحون تحت أغلال التحالف البغيض بين السلطتين الدينية والزمنية، أو الملوك وبابوات الكنيسة. ولكن دخول أوروبا عصر النهضة والأنوار بعد الثورة الإنجليزية 1688 وبعدها الثورة الفرنسية 1789 وإبرام "عقد اجتماعي" بين الشعب والسلطة، جعلها تنفض عن جسدها غبار استبداد القرون الوسطى، بينما ظل الشرق بما في ذلك بلاد الصين والهند، يعاني طغياناً مقنعاً مستمراً فادحاً وجارحاً. وقد استنام أغلب الناس لهذا وظنوه قدراً لا فكاك منه، ولم يحلموا بأكثر من أن يتمتع المستبد بقدر من العدل، ويرعي مصالح الخلق، ويتفهم حاجاتهم الإنسانية المتجددة، ولهذا قال الإمام محمد عبده قوله الشهير: "إنما ينهض بالشرق مستبد عادل". وهذه المقولة تحمل في باطنها بذور فسادها وفنائها، فالعدل لا يستقيم مع الاستبداد، وهذا الأخير لا ينبغي أن يكون قدراً محتوماً، أو حتمية سياسية واجتماعية لا مهرب منها، لأن ذلك يتناقض مع رسالات السماء، وطبيعة الأشياء، وفطرة البشر، والمسار الأفضل الذي يتعين أن تسلكه الحياة في طريقها إلى التقدم، الذي ينبغي ألا يتوقف.