يقف جبارا آسيا، الصين واليابان، على قاب قوسين أو أدنى من الصدام بسبب جزيرة صخرية صغيرة غير مأهولة تقع بين جزر أوكيناوا وتايوان. ففي السبعينيات من القرن الماضي قام مالكو الجزيرة وهم من عائلة "كوريهارا" اليابانية، بنقل رأسي ماعز (ذكر وأنثى) إلى جزيرة سناكو (التي تبعد 1250 ميلاً عن أوكيناوا) على أمل بث نوع من الحياة فيها. ولا تزال العائلة تدّعي ملكية هذه الجزيرة التي أصبح يعيش فيها اليوم قطيع من الماعز! إلا أن الحكومة اليابانية قررت تأميمها، حتى لا تبيعها العائلة إلى من يمكن أن يكون عدواً لليابان في أي وقت في المستقبل؛ ولتمويل عملية الشراء، فتح محافظ مدينة طوكيو الباب لجمع التبرعات. وبالفعل جمع مبلغ 16,5 مليون دولار. هنا تحركت الصين المجاورة، كما تحركت تايوان الأقرب معترضة ومنددة. فانتقال الملكية من شخص أو من عائلة إلى الدولة يعني تغييراً في هوية الجزيرة. ذلك أن ملكية الجزيرة لعائلة يابانية لا تعني بالضرورة أن الجزيرة يابانية. ولكن عندما تمتلكها الدولة تصبح جزءاً من اليابان. كانت الجزيرة مع عدد آخر من الجزر الصخرية غير المأهولة والمتناثرة في المنطقة خاضعة للسيطرة اليابانية منذ الحرب اليابانية- الصينية في عام 1895. ثم خضعت للاحتلال الأميركي المباشر أثناء الحرب العالمية الثانية، وبقيت كذلك حتى الانسحاب الأميركي العسكري من المنطقة في عام 1972. يومها وضعت اليابان يدها على الجزر. وسكتت الصين المغلوبة على أمرها والمشغولة في أمورها الداخلية المعقدة والصعبة طوال ذلك الوقت. أما الآن، فقد تغير الوضع. ليس لأن الصين أصبحت دولة كبرى فقط، ولكن لأن الدراسات السيسموغرافية أثبتت أن الجرف القاري للجزر الصخرية الصغيرة هو خزان كبير من النفط والغاز.. وهو ما تحتاج إليه كل من الصين واليابان. فهل تعود الدولتان قرناً إلى الوراء، أي إلى الحرب التي نشبت بينهما في عام 1895 بسبب هذه الثروة المكتشفة؟ استناداً إلى المصادر الاقتصادية اليابانية، فإن لليابان 30 ألف مؤسسة تعمل في الصين، معظمها في ميدان التجارة. وقد وظفت اليابان خلال 15 سنة الماضية ما مجموعه 85 مليار دولار في الأسواق الصينية، بما فيها 60 ملياراً وظفتها في العام الماضي وحده. ولا تستطيع اليابان من منطلق اقتصادي أن تسحب هذه الاستثمارات، وأن تقفل مؤسساتها رداً على المواقف العدائية الصينية منها بشأن الجزر. فالاقتصاد الياباني يمر في أزمة تتمثل في ارتفاع أسعار المحروقات وانخفاض عدد السكان، وبالتالي انخفاض اليد العاملة، وبالتالي فهو ليس قادراً حتى على إعادة استيعاب هذه الاستثمارات في الاقتصاد الياباني الوطني. ثم إنه لا يوجد بديل خارجي آخر جاهز لاستيعابها، مع أن اندونيسيا وتايلاند والفلبين، وكلها دول نامية، منفتحة على الاستثمارات الخارجية ومتلهفة لها. غير أن مردود الاستثمار في أسواقها أقل من مردود السوق الصيني الضخم والمتنامي. فبين عامي 1990 و 2008 زاد حجم القوة العاملة في الصين بمعدل 145 مليون عامل. ومعظم هؤلاء العمال هاجروا إلى المدن الصناعية من الأرياف تاركين وراءهم المزارع التي كانوا يعملون فيها. وكانت لهذه الهجرة نتيجتان أساسيتان. فمن ناحية أولى زادت الإنتاجية الصناعية بمعدل 9 في المئة سنوياً. فالعمل الذي كان يحتاج إلى مئة عامل لإنتاجه في عام 1990، أصبح يحتاج إلى 20 عاملاً فقط في عام 2008. ومن ناحية ثانية، فإن إهمال الريف أدى إلى عواقب اجتماعية وعائلية وبيئية حملت الصين على تحويل الأرياف والضواحي إلى مدن صناعية جديدة. فبين عامي 2006 و 2010 حولت الصين مساحات كبيرة من المناطق الريفية إلى مناطق مدنية. وقد ساعد ذلك على تسريع عجلة النمو الاقتصادي. ذلك أن الصين اعتمدت استراتيجية بناء اقتصاد استثماري وليس اقتصاداً تصديرياً. فأنفقت في عام 2011 ما يعادل 48 في المئة من الدخل القومي على الاستثمار في إقامة البنية التحتية للاقتصاد من مصانع ومؤسسات وشبكات طرق ومرافئ... الخ. ونتيجة لذلك سجلت أرقام نمو عالية جداً بلغت 10 في المئة في العام في الوقت الذي كانت فيه كل من الولايات المتحدة والكتلة الأوروبية تحلمان بأن تحققا نصفه على الأكثر! وبالمقارنة مع تراجع حجم النمو في الصين إلى 7 في المئة بقرار سياسي للسيطرة على تداعيات هذا النمو الكبير والمتسارع، فإن الكتلة الأميركية- الأوروبية تعاني ركوداً اقتصادي دفع بعض دولها إلى حافة الإفلاس، كاليونان والبرتغال وإسبانيا. وفي الوقت الذي تنعم فيه الصين بفائض كبير في الموازنة العامة للدولة، ترزح الولايات المتحدة تحت عجز في موازنة عام 2012 يبلغ 1,1 تريليون دولار. لقد كان حجم الصادرات الصينية في عام 1999 يقل عن ثلث حجم الصادرات الأميركية. ولكن بعد عشر سنوات أصبحت الصين تتصدر لائحة الدول المصدرة في العالم. واليوم فإن حجم صادرات الصين من الألعاب فقط إلى أوروبا وأميركا يصل إلى 90 في المئة! أما حجم التبادل التجاري بين الدولتين الكبيرتين، فيبلغ 531 مليار دولار حسب إحصاءات عام 2011. ولاشك في أن هذا التداخل المالي- التجاري بين الصين والولايات المتحدة يجعل كلاً منهما بحاجة للأخرى. وهذه "الحاجة" المتبادلة تشكل عبئاً على التحالف الأميركي- الياباني، وهو ما يفسر الموقف المضطرب للولايات المتحدة من قضية الجزر الصخرية المتنازع عليها بين طوكيو وبكين. حتى احتمال توسط الولايات المتحدة في هذه القضية قد يفهم على أنه يأتي على حساب تحالفها مع اليابان، وتالياً على حساب التزامها بدعم "الحقوق الوطنية اليابانية" في الجنوب (الصراع مع الصين) وفي الشمال (الصراع مع روسيا). ويعكس هذا الوضع المضطرب مواقف الدول الآسيوية المتحالفة مع الولايات المتحدة، مثل الفلبين وتايوان وسنغافورة وماليزيا. ويبقى موقف الهند التي تشكل الزاوية الثالثة في المثلث الآسيوي مع اليابان والصين. صحيح أن الهند بعيدة عن مسرح الجزر المتنازع عليها جغرافياً، إلا أنها سياسياً تقع في صميم هذا التنازع. فالصين تشكل مع هونج كونج أكبر شريك اقتصادي للهند، ومقابل كل دولار من الصادرات الهندية للصين، تستورد الهند بما قيمته ثلاثة دولارات من الصين. ويبلغ حجم العجز في الميزان التجاري بين الدولتين 40 مليار دولار لمصلحة الصين (إحصاءات عام 2011). لقد كانت الهند أثناء الاحتلال البريطاني المصدر الأساس للأفيون الذي يغرق الصين. وكان الاحتلال البريطاني يفرض زراعة الأفيون في الهند. كما كان يفرض على الصين استيراده. وبذلك كان البريطانيون يسيطرون على الهند ويهيمنون على الصين. أما الآن فإن أهم الصادرات الهندية للصين هي المواد الخام والقطن. ولكن تطور صناعة النسيج الهندية أملى على حكومة دلهي وقف صادرات القطن ابتداء من شهر مارس الماضي. ذلك أن تصنيع الإنتاج الهندي من القطن يحقق للاقتصاد الوطني عائدات أعلى.. فوق كونه يؤمّن فرص عمل تفتقر إليها اليد العاملة الهندية. لقد ارتفع الدخل القومي في الهند التي يبلغ عدد سكانها ملياراً و 200 مليون نسمة بنسبة 6,5 في المئة سنوياً منذ الإصلاحات التي حققتها في عام 1991. ويبلغ حجم الاستثمارات الخارجية 32 مليار دولاراً بما فيها استثمارات يابانية وصينية. ولذلك يشكل هذا الواقع سبباً إضافياً للإحراج الهندي من الصراع الياباني- الصيني. وفي المحصلة الأخيرة تبدو علاقات كل هؤلاء "الجبابرة" الآسيويين، اليابان والصين والهند، وحتى الولايات المتحدة، متوقفة على تقرير مصير جزيرة صخرية لا يعيش عليها سوى قطيع من الماعز!