في الوقت الذي تم فيه تحقيق العديد من الإنجازات الصحية في العام المنصرم، لا زالت هناك كوكبة من التحديات الصحية الهامة التي ستظل قائمة في العام الحالي. أحد أهم هذه التحديات، ربما كان تراجع حجم المساعدات الدولية المخصصة لمجال الصحة من قبل حكومات الدول الغنية، بسبب تراجع ميزانياتها كنتيجة للانكماش الاقتصادي، وهو ما أدى بالتبعية إلى تراجع حاد في ما يمكن أن توفره حكومات الدول الغربية والغنية من مصادر مالية لمكافحة الأمراض على المستوى الدولي. وحتى القطاع الخاص الذي كان يساهم بجزء كبير من المساعدات الصحية الدولية، تراجعت مساهماته بشكل واضح بسبب الضغوط المالية التي يتعرض لها حالياً. وفي الوقت نفسه، وداخل الدول الفقيرة التي يستوطن فيها الكثير من الأمراض المعدية، تعرضت اقتصاداتها لضربة موجعة، بسبب تراجع الصادرات، خصوصاً من المواد الأولية التي كانت تستهلكها الاقتصادات الصناعية، وهو ما أدى إلى تراجع المخصصات المالية الموجهة لمكافحة الأمراض المعدية على المستويين الدولي والمحلي. التحدي الصحي الآخر الذي يواجه المجتمعات البشرية حالياً، ويتوقع أن تزداد وطأته مستقبلياً، يتمثل في زيادة متوسط أعمار أفراد الجنس البشري، خصوصاً من هم فوق سن الستين، ضمن الظاهرة المعروفة بشيخوخة أو «تشيخ» المجتمعات. ففي عام 1950 كان عدد من تخطوا سن الستين حول العالم هو 250 مليون شخص فقط، وبحلول عام 2000، ولأول مرة في التاريخ، أصبح عدد كبار السن ممن تخطوا سن الستين من البشر، أكبر من عدد الأطفال دون سن الخامسة. وبوجه عام تشهد نسبة كبار السن تزايداً مطرداً داخل العديد من المجتمعات، وبمعدل أكبر من معدلات زيادة أي من الشرائح العمرية الأخرى. فخلال العقد الحالي، سيزداد عدد المسنين، والبالغ عددهم حالياً 810 ملايين، بمقدار 200 مليون، ليتخطى حينها ولأول مرة حاجز المليار، ومع حلول عام 2050 سيصل عدد المسنين إلى ملياري شخص. ويتوقع أن تؤدي هذه التغيرات الديموغرافية الجذرية إلى تحديات جسام خلال العقود القادمة، خصوصاً في الدول النامية، على صعيد نظم الرعاية الاجتماعية والصحية، ونفقات التقاعد والمعاشات، بالإضافة إلى التحديات الاجتماعية الخاصة، مثل الإهمال، وسوء المعاملة، والعنف ضد كبار السن. وعلى الطرف النقيض من الشيخوخة والتشيخ، تزايد في الآونة الأخيرة حجم تحد خاص، يتمثل في زيادة أعداد الولادات المبكرة أو الأطفال المبتسرين. حيث تقدر منظمة الصحة العالمية في تقرير خاص لها صدر بداية شهر مايو الماضي، أن حوالي 15 مليون طفل يولدون سنوياً -أو واحد من كل عشرة أطفال- قبل الأسبوع السابع والثلاثين من الحمل، وهو الحد الفاصل بين الولادة المبكرة، والولادة الطبيعية مكتملة فترة الحمل. وأظهر التقرير الصادر عن المنظمة، أن الولادة المبكرة تحتل رأس قائمة أسباب الوفيات بين الأطفال حول العالم دون منازع، كما أنها سبب يزداد عدد ضحاياه بمرور الوقت في غالبية الدول. وللأسف، يُعتقد بأن ثلاثة أرباع الوفيات الناتجة عن الولادة المبكرة، من الممكن تجنبها باستخدام وسائل متوافرة، وثبتت فعاليتها بالفعل. وإن كان من بين جميع التحديات الصحية التي ستواجهها المجتمعات البشرية عام 2013، وخلال الأعوام والعقود القادمة، ربما سيكون أكثرها فداحة وجسامة ووطأة، هو وباء الأمراض غير المعدية، أو الأمراض المزمنة، الذي يجتاح جميع دول العالم حالياً دون تمييز يذكر. حيث تواجه حالياً شعوب ودول العالم قاطبة وباء من الأمراض غير المعدية، مثل أمراض القلب والشرايين، والسكري، والأمراض السرطانية، والسمنة... والتي ينتج عنها مجتمعة أكثر من 35 مليون وفاة سنوياً. وهو ما يعني أن الجنس البشري يواجه مشكلة صحية كبيرة تزداد حجماً بمرور الوقت، خصوصاً في ظل حقيقة أن الأمراض غير المعدية التي ارتبطت في الأذهان لفترة طويلة بالمجتمعات الصناعية والغنية، أصبحت تشكل عبئاً يتزايد ثقله بمرور الوقت على كاهل شعوب الدول النامية والفقيرة. ومن الملاحظ أيضاً خلال العقود القليلة الماضية أن الأمراض غير المعدية قد بدلت ديارها المعهودة، بديار جديدة يفتقد سكانها المصادر المالية والنظم الصحية الكفيلة بدرء خطرها والحد من تبعاتها. ويعود جزء كبير من هذا الارتحال المرضي إلى تغيرات وعوامل قوية أصبحت قادرة على تشكيل الظروف الصحية في جميع بقاع العالم، وقد أصبحت الأمراض غير المعدية تحتل مراكز متقدمة على قائمة أسباب الوفيات. وإذا ما أضفنا للتحديات السابقة، هجرة واستنزاف الموارد البشرية الصحية من قبل الدول الغنية على حساب الدول الفقيرة، وحوادث الطرق كسبب رئيسي خلْف جزء لا يستهان به من الوفيات البشرية، وتفاقم ظاهرة إساءة معاملة كبار السن والأطفال، وانتشار العديد من الأمراض المنقولة بالماء والغذاء في العديد من الدول، خصوصاً الآسيوية والأفريقية، وغيرها الكثير، فيمكن أن ندرك بسهوله جسامة التحديات الصحية التي سيواجهها المجتمع الدولي، خلال العام الحالي، وما يليه من أعوام. د. أكمل عبد الحكيم