بغداد أسسها النهر، قبل أن يجعل منها أبو جعفر المنصور (ت 158 هـ) صرة الدنيا، لذلك فلبعض الحكماء: «المدن تُبنى على الماء والمرعى والمُحتطب والحَصانة« (التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة). إلا أن ظهير الدين البيهقي (ت 565 هـ) نسب العبارة لإخوان الصفا (تاريخ الحُكماء). الشاهد أن ما بين بغداد والماء المنشأ والعمران، فتراها إذا فاض أغرقها وإن شح عماها الغبار، ولها قصص ومواقف حرجة بين صَيْهُود يُظمي وخنياب (عراقية تعني الفيضان) يُغرق، يعكس الجواهري (ت 1997) هذا التقلب على العراقي قائلا: «ودجلة تمشي على هونها/ ويمشي رُخاءً عليها الصَّبا/ودجلة زهو الصبايا الملاح/ تُخوَّضُ منها بماءٍ صرى/ تُريك العراقي في الحالتين/ يسرف في شحه والندى» (المقصورة 1947)، ومنها البيت الشهير: «سلامٌ على هضبات العراق/ وشطيه والجُرف والمنحنى». ذلك مستهل لما نقوله عن بغداد وهي قبل فترة وجيزة سدت عواصف الغبار الرؤية فيها، والآن أغرقها المطر، وهما الضدان. لم يكن ما حصل إعصاراً حتى تُعذر حكومتها، إنما كان موسماً كبقية المواسم، ومن المفروض أن شحة دجلة، لتعاظم السدود التركية، يُحفز ولاتها الجدد أن يحولوا الغيث إلى الخزانات المعدة سلفاً، فالرجاء بالسماء لا ينقطع، وقد صلت بغداد صلاة الاستسقاء في تاريخها أكثر من مرة، في مواسم انحسار نهرها، وأن يعدوا شبكة لتصريف الماء، فبغداد لها تاريخ في شبكات الري، فما قيمة أموال النفط إذا لم تصن بها المدن من غبار ومطر. من تاريخ صلوات استسقائها أن تصحر جرفا النهر (شتاء 690 هـ)، فاجتمع البغاددة عند قاضي القضاة، ثم خرجوا معه إلى ضريح معروف الكرخي (ت 200 هـ)، وكان خارج المدينة آنذاك، وهو من الشخصيات الجامعة لا المُفرقة في الدين والمذهب، فظلوا يتضرعون ويصلون صلاة الاستسقاء لثلاثة أيام، وصام اليهود ثلاثة أيام أيضاً، كان ذلك في فبراير، وهو موسم الغيوث لكنها احتبست في تلك السنة، فقيل بعدها «أرخت السماء عزاليها وتواترت الغيوث فدخلوا بغداد، وقد توحلت الطرق، ودام نزول الغيث ثلاثة أيام ثم سكن، وزادت دجلة بعد ذلك، وانتفع العالم بما عمهم من لطْف الله ورحمته« (الحوادث الجامعة والتجارب النافعة). لم يعد الأمر خافياً أن إدارة بغداد، بل وإدارة العراق ككل، عاجزة عن مواجهة حاجات الناس العادية، فكيف الحال مع الطارئات من عواصف غبار وزوابع أمطار؟ بطرفة عين تحولت بغداد إلى بحيرات، وصارت الشوارع ممرات مائية، سقوف هدت على ساكنيها، والسطوح تحولت، مع برد الشتاء، إلى مساكن مكشوفة، ناهيك عن مآسي الساكنين في بيوت من طين وتنك! إن تحول المطر ببغداد إلى كارثة يعني أنها بلا إدارة، وإدارة بلا وطنية وعفة، كأنهم يكرهون هذه المدينة لأن التاريخ الذي يقرؤونه تحول إلى عقائد، وتبدو بغداد عندهم لقيطة في نظرهم، وكارثة عندما تتحول روايات الرُّواة وأخبار الإخباريين إلى عقائد تُطبق على الحاضر. نعم هذا ما يجري مع بغداد التي كانت أحسن المدن فصارت أسوأها، فمحافظها قبل أن يتسلم منصبه كان يجلس في أصل المنبر، وتتمثل له روايات التاريخ حقائق لا جدال فيها، فأسرع وخطف تمثال مؤسس بغداد. هناك أزمة عقل، ناهيك عن أزمة الضمير العاتية، يجري التعامل مع المدن على أساس الضغائن، ثقافة لا تجري وفق التمدن بل وفق التدين، والأخيرة لا تسفر إلا عن شلل في العقل، وعماء في الرؤيا. كيف تهتم حكومة بمدن تراها عدوة لها على طول التاريخ، المشكلة ليست اختلاف مذاهب أو تباين ثقافات، إنما هو تحويل تلك الاختلافات إلى دين يدان به، ولا الطوائف وأبناء الطوائف، إنما مع عجز الأحزاب الدينية عن بث الوطنية في عقول منتسبيها أبعد من بث التدين (المؤدلج). فعندما عادوا من الملاجئ والأوكار السرية صعب عليهم التخلص من الضغائن ضد المدن، يحكمونها وكأنهم غير مصدقين أنه باستطاعتهم إيذاءها، هناك عاطفة من التشفي، فهموم بغداد ليست الغبار والمطر فقط إنما محاولة تصحرها من أثر حضاري. في مناسبة كارثة بغداد مع الغيوث لابد من تذكر كتاب العلامة في هندسة الري أحمد سوسة (ت 1982)، «فيضانات بغداد»، تابعها مِن 1277 ميلادية وحتى 1954، وكلٌ منها كان طوفاناً عارماً، حتى أن الشيخ بهجة الأثري (ت 1996) في الفيضان الأخير قال: «يا نوح.. قم، دارت بنا الأزمانُ/ عُبد الهوى، وتجدد الطوفان/ قد غبت عنه، فأين منك سفينةٌ/- يانوح- يفزع نحوها الإنسان؟ كانت ملاذ اللاجئين، وما لنا/ - يانوح- ما ينجو به الحَيران» (فيضانات بغداد). لدرء غضب النهر لمواسم ذوبان الثلوج وكثرة الغيوث، أقام والي بغداد سدةً، عُرفت باسمه، كان موسم العام 1911 طاغياً، فحسبت إدارة الولاية حسابها، وأقامت سدة ترابية، كي تضم العمران الجديد الذي لم تحط به السدود السابقة، والتي نشأت في مختلف الأزمنة، مع أن أسوار بغداد التاريخية كانت الضحية، فقد أخذت أحجارها للاستعمال في السدود. كتب أحدهم عن أحوال العراق وخرابه، قبل قيام هذه السدة بثلاث سنوات: «العراق لا أزيدك به علماً، من أفضل الأقطار تربةً، وطيب هواء، وعذوبة ماء، وبه أنهار عظيمة كدجلة والفرات، وديالة (ديالى) وكارون (يوم كانت الأحواز تُعد جزءاً من العراق) تنساب انسياب الأفعوان، وتخترق منه كل مكان، غير أن أكثره خراباً، ينعق فيه البوم والغراب، لعسر المواصلات، وفقد الأمن وحرمانه من نور المعارف والمدنية، والحكومة فيه هي عبارة عن شركة سَلب ونهب وفساد، تعمل في خراب البلاد وهلاك العباد» (مجلة المنار، مارس 1908). آنذاك كان العثمانيون يحكمون، حتى قبل إعلان الدستور (يوليو 1908) وحكم الاتحاديون، وكأن العصور اتصلت بلا فواصل، فما شيدته الفترات اللاحقة (1908-2003) ذاب ولم يبق منه أثراً، ومن يتابع أخبار الفساد بالفعل يجد الشركة نفسها عادت تحكم البلاد. فمنذ 1921 استرجعت بغداد وجهها المشرق، ونست الأجيال ماضي الخراب، لكن في غفلة من الزمن يعيد التاريخ نفسه بشركة جديدة، لا تختلف بمزية إلا أنها تستند إلى الدستور وتنطق بالديمقراطية، وبيدها نفط كثير، ولعشرة أعوام وبغداد يغرقها غيث مرتجى لغسل وجهها من الأغبرة المتراكمة. بغداد في حاليتيها: يخنقها الغبار ويغرقها المطر!