لقد أصبح العرب الأميركيون بمثابة "عصافير الكناري" الصداحة في الحملة الانتخابية للمرشح الرئاسي الديمقراطي جون كيري. يذكر بهذه المناسبة أن عمال مناجم الفحم قديماً، كانوا يحملون معهم عصافير الكناري، كي تنبههم إلى خطر انبعاث الغاز الطبيعي القاتل تحت أقبية المناجم. وكانت الفكرة بسيطة جداً وراء استخدام هذا الطائر للأغراض التحذيرية. فطالما أنه يواصل الغناء والشقشقة بصوته العذب الجميل، فإن ذلك يعد مؤشراً على أن كل شيء على ما يرام داخل المنجم. أما صمته، فهو نذير الشؤم ذاته والخطر. ومن يومها سار القول المأثور"عصافير الكناري في مناجم الفحم" للدلالة على جرس الإنذار والتنبيه إلى مكامن الخطر. وهكذا هو حال العرب الأميركيين في الانتخابات الرئاسية الجارية الآن في الولايات المتحدة. ففي آخر استطلاع للرأي العام أجري بين الناخبين العرب الأميركيين، في أهم الولايات التي تحتدم فيها نار المنافسة الانتخابية بين بوش وكيري، اتضح أن كيرى لا يزال يتفوق على منافسه بوش، غير أن تفوقه هذا قد انخفض من معدله السابق بمقدار النصف تقريباً. ففي يوليو الماضي على سبيل المثال، كانت الأصوات المؤيدة لكيري في أوساط الناخبين العرب هي نسبة 54 في المئة نقطة، مقابل 24 في المئة نقطة فحسب لمنافسه جورج بوش. لكن وبحلول شهر سبتمبر الجاري، انخفضت تلك الأصوات لتكون 49 نقطة لصالح كيرى، مقابل ارتفاع في تأييد بوش بلغ 31 في المئة. ويلاحظ أن نسبة تأييد الناخبين العرب الأميركيين لأداء بوش الرئاسي قد ارتفعت قليلا عما كانت عليه، إلا أنها رغم ذلك بقيت على انخفاضها، إذ لم تتجاوز الـ31 في المئة من الأصوات، كما سبق القول في آخر استطلاع للرأي العام. لكن في الواقع، فإن نسبة تأييد العرب الأميركان للرئيس بوش، لم تتجاوز هذه النسبة منذ بداية قياس استطلاع الرأي العام حول الحملة الانتخابية الجارية في فبراير من العام الحالي.
ولما كان ذلك هو الحال، فلابد من أن نتساءل، حول ماهية الأسباب التي أسفرت عن حدوث هذه الطفرة في تأييد الناخبين العرب للرئيس بوش في سبتمبر الجاري؟ وثمة سؤال آخر يستتبع هذا: لماذا لم يحسن كيرى موقفه الانتخابي بينهم منذ فبراير من العام الحالي؟
بالنظر إلى بيانات استطلاع الرأي الأخير، فإن الإجابة على السؤال الأول تبدو في غاية البساطة. على سبيل المثال، لم يكن تأييد الناخبين العرب لإعادة انتخاب بوش لدورة رئاسية جديدة ليزيد في شهر يوليو الماضي على 60 في المئة منهم. إلى ذلك فقد توزع تأييد بقيتهم بين مؤيد لكيري بدلا من بوش، وبين مؤيد لـ"رالف نادر"، بديلا لكل من بوش وكيري. وهناك فئة ثالثة بقيت بين بين، ولم تتخذ قراراً بعد. لكن عقب المؤتمر القومي للحزب الجمهوري، ارتفعت نسبة تأييد العرب الجمهوريين لبوش، إلى 75 في المئة.
ومع ذلك، فإن نسبة تأييد العرب إجمالا للرئيس بوش تظل منخفضة جداً في الكثير من القضايا الرئيسية: الاقتصاد، الرعاية الصحية، العراق، التعليم، إلى آخره. يلاحظ في المقابل أن ضعف تأييد الناخبين العرب لبوش في كل هذه القضايا، لم يترجم بعد إلى نقاط قوة لصالح موقف كيري الانتخابي بينهم. وما لا يزال واضحاً جداً حتى الآن، هو أن غالبية تصل إلى 70 في المئة من الناخبين العرب، تتطلع إلى رئيس جديد للولايات المتحدة الأميركية، غير أنهم لم يثقوا حتى الآن بكيري، ولا هو سعى من جانبه كما ينبغي، لكسب هذه الثقة ومن ثم كسب أصواتهم لصالحه. ثم إن هذه الملاحظة لا تقتصر على الناخبين العرب وحدهم. ذلك أن الاستطلاع الأخير، كشف أن بوش يتقدم على كيري إجمالا بفارق 46 في المئة، إلى 43 في المئة نقطة على المستوى القومي. وإذا كان كيري عازماً حقاً على إقناع ناخبيه بأنه ذلك الرئيس الأميركي الجديد الذي تتطلع إليه أغلبية الأميركيين، ومن بينهم العرب، فإنه لا تزال أمامه فرصة 6 أسابيع، يمكنه خلالها أن يحدث تحولا وتغييراً في موقفه الانتخابي. ولن يتحقق له هذا، إلا إذا تنبهت حملته الانتخابية إلى خطر وإنذار صمت عصافير الكناري الصداحة.