لقد أثار "كوفي عنان" الأمين العام للأمم المتحدة، غضب صقور واشنطن بإعلانه مؤخراً عدم شرعية شن الحرب على العراق. ففي لقاء صحفي أجرته معه هيئة الإذاعة البريطانية، أوضح "عنان" أن الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، انتهكتا ميثاق الأمم المتحدة بغزوهما للعراق دون استصدار قرار صريح من مجلس الأمن الدولي، ينص على استخدام القوة ضد العراق. وأثارت تعليقاته تلك، موجة احتجاج من قبل الجناح اليميني في أوساط الجمهوريين الأميركيين، الذين اتهموا الأمين العام للمنظمة الدولية، بالتدخل في الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية. أما القادة السياسيون في كل من بريطانيا وأستراليا وبولندا واليابان، فقد أصابتهم أيضاً سهام تلك التصريحات، وأعربوا عن قناعتهم بأن مشاركتهم في الحرب، إنما جاءت عن قناعة بتوفر قدر كبير من الشرعية لشن الحرب على العراق. يذكر أن الـ"بي. بي. سي"، كانت قد بثت تعليقات عنان يوم الخميس الماضي، ثم أعقبت ذلك، بإعادة بث اللقاء كاملا، يومي السابع عشر والثامن عشر من سبتمبر الجاري على ا لتوالي.
والسؤال المُحيِّر هو: لماذا اختار "عنان" أن يدلي بتصريحاته تلك، في هذا الوقت بالذات؟ فقد كان عدم موافقة "عنان" على الحرب أمراً واضحاً، منذ شنها قبل ثمانية عشر شهراً من اليوم، غير أن هذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها "عنان" مناهضته صراحة لتلك الحرب، ويصفها باللاشرعية. وبالطبع فإن موقفه هذا قابل لأن يفسر في ظل السياق السياسي الراهن. فقد بات واضحاً أن المبررات التي قدمها كل من بوش وبلير لشن الحرب، كانت زائفة. فلا الأسلحة غير التقليدية وجدت في العراق، ولا العلاقة المزعومة بين صدام حسين وتنظيم "القاعدة" تم إثباتها هي الأخرى. كما لم يثبت على أي مستوى أن نظام صدام حسين كان يمثل خطراً "وشيكاً" على أمن الولايات المتحدة الأميركية أو بريطانيا، أو أي دولة أخرى. بل الصحيح أن العراق كان دولة قد جرى تركيعها على ركبتيها جراء حرب استنزاف طويلة دامت لثماني سنوات مع إيران، تلتها الحرب التي دارت مع وبعد غزو الكويت، إضافة إلى ثلاثة عشر عاماً من العقوبات الدولية المفروضة عليه.
وفوق ذلك، فإن أياً من الأهداف الأميركية وراء الإطاحة بصدام حسين لم يتحقق. فحتى الآن، لا يبدي ذلك البلد الذي دمرته الحرب، احتراماً يذكر للديمقراطية، كما أنه لم تلحْ بعد أي نذر تشير إلى البدء في تنفيذ مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط ونشر الديمقراطية فيه، وهو الوعد الذي قدمه صقور المحافظين الجدد في واشنطن، وأن تكون هذه المنطقة موالية لواشنطن وتل أبيب على حد سواء. وفي عراق اليوم، فإنه ليس هناك استقرار يذكر، كما أن خطة إعادة البناء، لم ينجز منها إلا جزء ضئيل جداً، إلى جانب أن الحكومة المركزية المؤقتة، لم تبسط سلطتها وسيطرتها بعد، إلا على نطاق محدود للغاية من البلاد. ولم يجلب الغزو الأميركي للعراق، سوى حمّامات الدماء والقتل والدمار على نطاق واسع. وعلى حد تعبير عمرو موسى، الأمين العام للجامعة العربية، فإن الحرب لم تفعل شيئاً، سوى أنها "فتحت أبواب الجحيم كلها".
فبإعلانه عدم شرعية الحرب على العراق، بدا وكأن الأمين العام للمنظمة الدولية، أراد أن يبعث برسالة ذات شقين للولايات المتحدة الأميركية: الشق الأول منها، هو ألا تعول واشنطن على الأمم المتحدة في إصلاح ما خربته هي بحربها على العراق. كما يشير "عنان" في الشق الأول نفسه من الرسالة إلى أن الانتخابات العامة، المزمع إجراؤها في العراق بحلول شهر يناير المقبل، لن تتسم بالجدية والمصداقية، في أجواء الفوضى التي يشهدها العراق حالياً. أما الشق الثاني من الرسالة، فيتمثل في تحذير الولايات المتحدة الأميركية ودعوتها إلى التفكير مرتين وثلاثاً، قبل أن تخرق ميثاق الأمم المتحدة، بشنها "حرباً استباقية" ضد عدو مفترض، أياً كان. وتتضمن الرسالة قولا ضمنياً بأن هذا ليس هو السبيل الصحيح لجعل الولايات المتحدة أكثر أمناً وسلاماً.
وفي الواقع فإن ذلك النزاع الذي دار حول شرعية الحرب على العراق، في مارس من العام الماضي، كان في جوهره نزاعاً حول القواعد التي يجب أن تحكم النظام الدولي، في ضوء الأحداث التي صنعت حقبتين من التاريخ الدولي المعاصر، هما انهيار الاتحاد السوفيتي، ومعه بالطبع نظام الثنائية القطبية وتوازن القوى الدولية السابقين، ثم ثانياً هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهي الهجمات التي كشفت تعرض الأمن الأميركي للاستهداف من قِبل عدو من نوع جديد.
وكان ذاك الخلاف العميق حول الطريقة التي تتعين بها إدارة الشؤون الدولية، السبب وراء الصدع الذي حدث في العلاقات الأميركية- الأوروبية خلال الأشهر السابقة لشن الحرب. فقد أكد الأوروبيون- لا سيما الفرنسيون- إيمانهم بمبدأ حكم القانون والشرعية التعددية عبر المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات التي تم إنشاؤها عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. وعلى نقيض ذلك، فقد آثرت واشنطن أن تعمل منفردة، اعتماداً على قوتها العسك