لا يمثل التمساح خطراً على من يقتنيه ما دام لم يبلغ طوله أربعة أقدام، لكن ما إن يتجاوز هذا الطول، فإن أول شيء يفعله هو أن يستدير بغتة إلى الخلف وينقض على صاحبه. فإن كان هذا قد توفاه الله قبل أن يبلغ التمساح الخطر، فإن الضحايا يكونون من ذريته. وما دام التمساح حراً طليقاً، فإنه لابد من ضحايا، ومع كل وجبة، يزداد طولاً وعرضاً وضراوة. وفي منطقة الشرق الأوسط رأينا بأعيننا التماسيح التي كانت صغيرة ثم كبرت وهاجمت أصحابها بطريقة متوقعة، منها تمساح تنظيم «القاعدة» الذي اقتناه عدد من الدول بقيادة الولايات المتحدة، ليساهم معهم في توجيه الضربات للجيش الأحمر في أفغانستان، وحين كبر استدار على أصحابه ونهشهم بأسنانه. وبعض الدول سمحت بممارسة العمل العام لأحزاب تحمل في أعماقها جينات تماسيح، ثم ما لبثت أن تحولت إلى أنظمة تحكم، فاستدارت نحو الرفاق، ثم أخذت تضرب بذيلها يميناً وشمالاً، وتهجم حتى على من كانوا يعطفون عليها، وكل من شارك في اقتناء التمساح أو تربيته أكله أو أصابه بجروح قاتلة، ومن مات منهم حتف أنفه، ورّط أولاده وأحفاده بالتمساح المتوحش، ولعل «البعثين» العراقي والسوري أوضح مثال على ذلك. ومن أشهر ضحايا التمساح الثوري في إيران أول رئيس لمجلس قيادة الثورة الإسلامية هناك، حسين منتظري الذي ظل الرجل الثاني في طهران سنوات عدة يروح ويغدو بلقب «الفقيه الأعلى». لكن التمساح استدار نحوه منذ أن بدأت الخلافات تدب بينه وبين زعيمه، فأقصاه هذا من منصبه كخليفة له، ثم وُضع قيد الإقامة الجبرية في منزله إلى أن توفاه الله ومنعت السُلطات تشييع جنازته مثل بقية الموتى. ولأنه كان ذا مكانة دينية، كونه آية عظمى ومرجع تقليد، ولم تكن تهم الخيانة والعمالة لتنطلي على أحد، فكان الحل هو في الحط من شأنه رسمياً، واعتباره شيخ دين ساذج لا يجيد فن القيادة. ولم يكتف التمساح بمهاجمة منتظري، بل يحاول اليوم عض أحفاده الثلاثة. ومن أبناء الثورة المخلصين، سعيد حجاريان الذي ساهم في إنشاء وزارة الاستخبارات الإيرانية، وكانت أولى عضات التمساح الذي شارك هو في تربيته، بل أنشأ له وزارة، هو تعرضه سنة 2000 لرصاصات من أحد المتشددين شلّت حركته وجعلته أسير الكرسي المتحرك، بسبب انضمامه إلى الحركة الإصلاحية، ويلقى الآن العذاب من الوزارة نفسها التي كان هو شخصياً أحد مؤسسيها الأوائل. ولو صدقت رواية النظام السوري في تغلغل الجماعات الإرهابية بين صفوف المعارضة، فالعالم كله يعرف أن الانتحاريين في العراق، وفي ذروة مرحلة التفجيرات، الذين لم يراعوا حرمة مسجد أو مقام ضريح، أو اكتظاظ سوق شعبية بالباعة البسطاء والمتبضعين الفقراء، أو براءة أطفال أمام مدارسهم، كانوا يتسللون من سوريا، ويتدربون في المناطق الحدودية، تحت سمع وبصر نظام بشار، وبدعم من أجهزته. وللأسف، التمساح لا يطبق فكيه على من اقتناه فحسب، فهو يزحف صوب أولئك الذين هللوا لوجوده، واستعرضوا قوته، أو اكتفوا بالرضا عن ذلك، بل وربما أولئك الذين آثروا الصمت باعتبار الأمر لا يعنيهم. هذه ليست خبرات في تربية الحيوانات المفترسة، وإنما خبرات شعوب تناقلت جيلاً بعد جيل عبارات مقتضبة تختصر الكثير، فقالوا: من زرع حصد، وقواعد إلهية نطق بها القرآن الكريم في آيات عدة، كقوله تعالى «ولا يحيقُ المكرُ السيءُ إلا بأهلهِ».