تشعر جماعات الإسلام السياسي في العالم العربي هذه الأيام أنها محاربة وأن جميع القوى السياسية تقف ضدها وبشكل أكبر وواضح من أي وقت مضى وعلى رأسها جماعة «الإخوان» التي تقاتل بكل ما تملك من أجل الوصول إلى السلطة، فهي تريد أن تنال جائزة صبرها لسنوات طويلة من أجل هذا اليوم. وصار من الواضح للجميع أنها في معركتها للوصول إلى السلطة وممارسة الحكم تتنازل عن الكثير مما كانت تعتبره مبادئ تتغنى بها طوال تاريخ سعيها من أجل الكرسي، والغريب في هذه الجماعة أنها لا تخجل وهي تبيع علناً كل ما لديها من شعارات وذلك من أجل السلطة التي كانت تدعي قبل هذه الأيام أنها لا تسعى إليها ولا تطمع فيها بل هي زاهدة فيها. وكي تكون هذه الجماعات شريكاً في الحكم وإدارة الدول فإنها بحاجة لأن تقرأ التاريخ السياسي أكثر وتحتاج أن تعيد صياغة نفسها سياسياً، فإصرارها على العمل بهذه السطحية السياسية ومن أجل هدف واحد وهو الوصول إلى الحكم وبعد ذلك «يكون لكل حادث حديث»، لا يمكن أن يجعل الوضع في أي بلد يحكمون فيه وضعاً مستقراً. البعض يردد كلمة تحمل من السذاجة أكثر مما تحمل من العقلانية التي يدعونها فيرددون: ما دام قد أخذ القوميون والعلمانيون فرصتهم في الحكم وفشلوا والشيوعيون والعسكر انقلبوا وفشلوا وغيرهم… فلماذا لا نعطي الفرصة للإسلاميين كي يحكموا ونرى ما قد يفعلون؟ وهذا ما يمكن أن نطلق عليه «اللعب بالنار»، فهناك نقاط كثيرة تجعل هذه الفكرة غير صحيحة أهمها: أننا لا نتكلم على دور في مسرحية يصعد فريق ليمتع الجمهور وإذا فشل تصعد فرقة أخرى لتجرب نفسها. فنحن نتكلم عن مسألة حكم في محيط سياسي وجغرافي شديد الحساسية. ومن يحكم ينبغي أن يكون مؤهلا وقادراً على الحكم لا أن يعتبر المسألة «تجربة» وبعدها نحكم على الأمور! فمنطق «لنجربهم كما جربنا غيرهم» لا يتناسب مع مسألة حكم الشعوب وإدارة الدول، ويبدو تطبيق هذه الفكرة أصعب بكثير عندما تكون في منطقة كالتي نعيش فيها، منطقة مليئة بالتحديات والتغيرات والصراعات وفي وقت يعتبره البعض ربيعاً ويراه آخرون خريفاً. النقطة الأخرى التي لا تقل أهمية عن الأولى هي أن مشكلة جماعات الإسلام السياسي في وضعها وإدراكها الحالي هي أنها تحكم «باسم الله» وتعتقد أنها «تمثل الله» جل وعلا على الأرض، وهي بالتالي يجب أن تطاع وإلا فإن من يكون ضدها يكون ضد «إرادة الله»! وهذا الكلام لا يعتبر توقعاً ولا ادعاءً ولا تخميناً، فالأيام والأشهر الماضية كشفت بشكل مباشر وغير مباشر هذه القناعة لدى هذه الجماعات وقد مارسها بعض أفرادها بشكل مخيف. وفي سبيل سعيها للوصول إلى السلطة تخسر جماعات الإسلام السياسي كثيراً من قاعدتها الجماهيرية وهي تدرك أنها تتكبد خسائر فادحة على الصعيد الشعبي ولكنها مستمرة في نهجها في السعي للتربع على كرسي الحكم بأي ثمن لأنها ببساطة تعتقد بأنها تمثل إرادة الله وستطبق شرعه وهي التي ستطهر الحكومات من الفساد وهي التي ستخلق مجتمعات صحيحة نفسياً وثقافياً واقتصادياً. هي تدعي أنها ستفعل كل شيء «رائع» لأنها كما تعتقد ستقيم حكومات إسلامية دينية، وما دامت هي الوحيدة التي تقوم بذلك فلا مانع أن تستخدم كل الطرق التي تجعل الله عز وجل راضياً عنها وعن الناس… بهذا المنطق تتحرك هذه الجماعات ومن أجل ذلك تتنازل عن كل شيء. يفوت هذه الجماعات في غمرة صراعها على السلطة وسباقها للفوز بها أن تكون واقعية فيما تسعى إليه، فهي وإن كانت تعتقد أنها تحمل للأمة مشروعاً خيالياً إلا أنها يجب أن تعترف بأنها غير مهيأة لهذا الدور الكبير ليست مجرد تجارب منسوخة من كتب قديمة وحكايات وروايات جميلة لا تتناسب ومعطيات القرن الحادي والعشرين. الوضع الذي فيه جماعات الإسلام السياسي يجب أن لا يجعلها تستغرب كل تلك المقاومة لها ووقوف أطياف المجتمع أمام وصولها للحكم ورفض فئة كبيرة من النخب السياسية والجماهير لحكمهم. فهذه الجماعات غير قادرة أن تقنع الجماهير وخصوصاً النخب السياسية والاقتصادية والمثقفة بأنها خيار جيد للحكم. هي فقط تعتمد على قاعدتها الجماهيرية –التي بدأت تتقلص- ولا تلتفت إلى المكونات الفاعلة والمؤثرة في المجتمع ولا تمانع في إقصائها «إن استطاعت» وهي بذلك تكرر سلوك الحكومات الديكتاتورية التي سبقتها! وأول خطأ سياسي وديمقراطي ومدني ارتكبته هذه الجماعات هو أنها وقعت في فخ التصنيف الإقصائي للمجتمع فكل من اختلف معها سياسياً صنفته بأنه عدو للدين! ثم وصفت جميع منافسيها بأنهم علمانيون أو ليبراليون. وفي ثقافة أغلب جماعات الإسلام السياسي فإن العلماني أو الليبرالي بالضرورة «ملحد» أو «كافر» أو «عدو للدين»… وهذا ما لم تعد تقبله الجماهير. ربما تشعر جماعات الإسلام السياسي بأنها أصبحت تواجه خصوماً كثراً في المجتمع وأن خصومها في ازدياد وبالتالي فإن استمرار نجاحها في دغدغة مشاعر الجماهير بالآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي توظفها ضد من يخالفها، لن تكون بنفس التأثير السابق. وهذا ما يفسر اختباءها وراء الديمقراطية -التي ظلت تحاربها طوال تاريخها- ووجدت اليوم أنها طوق النجاة الوحيد لها، فهي تتعاطى مع الديمقراطية ليس إيماناً بها وبقواعدها وشروطها وأدواتها وإنما كبديل مؤقت حتى تتمكن من تحقيق ما تريد.