من المعروف أن معظم الكتاب والمفكرين بل وبعض المسؤولين العرب يعشقون المصطلحات خاصة الجديد منها، وسرعان ما يجدون فيها فرصة لشغل أوقاتهم ولقاءاتهم وشحذ قدراتهم في نزيف لا ينضب من الكتابات والتصريحات والأحاديث والخطب النارية حول هذا المصطلح. ومن أحدث هذه المصطلحات "مجتمع المعرفة"، حيث بذل الجميع جهدهم وأبحاثهم وطرحوا أفكارهم حول كيفية تحويل المجتمع العربي إلى هذا النوع من المجتمعات، بل وتجاسر البعض مؤكداً وجود البنية التحتية لتحقيقه، ولم يتوقف أحد كثيراً ليسأل نفسه: هل يوجد فعلاً ما يمكن أن نطلق عليه "المجتمع" في الدول العربية حتى تكون هناك معرفة؟
والإجابة ببساطة هي أنه علينا أولاً أن نبني مجتمعاً حقيقياً له أركانه وركائزه وسماته المتعارف عليها، ليمكن بعد ذلك أن يتحول إلى "مجتمع معرفة". فالمجتمعات العربية تفتقر إلى أبسط الأساسيات والركائز، فنسبة الأمية في العالم العربي تزيد على 38% في الفئة العمرية بين 15-40 عاماً، ومستوى التعليم متدن ولا يرقى إلى مستوى الدول متوسطة التقدم سواء من حيث النوعية أو المضمون أو أساليب التعليم، ولا تزيد نسبة الإنفاق على التعليم من الناتج القومي الإجمالي على 4%، ونسبة الصرف على البحث العلمي لا تتعدى في المتوسط 0.6%، ومتوسط السكان الذين تصلهم مياه نظيفة لا يتعدى 61%، بينما لا يتعدى متوسط الذين لديهم صرف صحي ملائم 63%، والرعاية الصحية في أدنى معدلاتها، ناهيك عن ارتفاع نسبة الوفيات من المواليد الرضع، حيث تصل إلى 54 من كل ألف مولود، ويقل متوسط عمر الفرد عن مثيله في الدول المتقدمة بنحو 25% على الأقل، وتصل نسبة البطالة في قوة العمل العربية إلى 29%، ومتوسط نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر لا يقل عن 36%، ولا يتعدى متوسط معدل النمو السنوي في الاقتصاد 1%، ونسبة الاكتفاء الذاتي من الغذاء تصل في السلع الأساسية إلى 7%، أي أن هناك فجوة غذائية في الوطن العربي، وإذا نظرنا إلى ما يسمى "المجتمعات الخليجية" فسوف نجد أنها تعج بخليط من الأجناس التي أدت إلى الخلل في تركيبتها الاجتماعية من جانب، وأثرت في ثقافتها وعاداتها ولغتها من جانب آخر، فضاعت سمات المجتمعات الأصلية وبات أصحابها ضيوفاً في أرضهم.
أما عن قيم مؤشرات المعرفة فحدث ولا حرج، إذ يصل عدد الصحف اليومية إلى 59 صحيفة لكل 1000 من السكان، مقارنة بـ 288 صحيفة لكل 1000 من السكان في الدول المتقدمة. ويصل عدد أجهزة المذياع إلى 279 لكل ألف من السكان، مقارنة بـ955 لكل ألف من السكان في الدول المتقدمة، وكذلك الحال بالنسبة إلى أجهزة التليفزيون، وتقل خطوط الهاتف خمس مرات عن الدول المتقدمة، ويتوافر 19 جهاز حاسب لكل ألف شخص، بينما يزيد المعدل العالمي على 81 لكل ألف شخص، ولا يزيد عدد مستخدمي الإنترنت من الدول العربية على 3%، ويتم ترجمة كتاب واحد في السنة لكل مليون شخص مقابل 519 في المجر و 920 في إسبانيا.
نحن نتحدث عن مجتمع ينتشر فيه الجهل والتفكك، ويفتقر إلى الحريات العامة، ولا يملك القدرة على التعبير عن مصالحه ومواقفه واحتياجاته، وإذا تجاوز مرة وعبر عنها فإنه يعامل كمتمرد ومنكر للنعمة ومن ثم لن يستمع إليه أحد، ويتعرض أفراده لجميع أنواع عمليات القبض والاعتقال العشوائي، ومصادرة الحقوق... مجتمع لا يستطيع مواجهة الفساد الإداري والمحسوبية وسطوة أصحاب النفوذ، ولا يسهم بدرجة كافية في صنع مستقبله، ولا يستطيع أن يغير حاضره، ولا يملك القدرة على حساب المخطئين والفاسدين والمفرطين في حقه، ويعيش في كنف حكومات تعتبره لم يبلغ سن الرشد بعد ويحتاج إلى وصي أو كفيل ليرعاه، ورقيب يسمح له بما يشاهده أو يسمعه أو يقرؤه ويملي عليه ما يجب أن يفعله أو لا يفعله، والخطوط الحمراء التي يجب ألا يتجاوزها كثيرة، ولا يأمن على مصادر رزقه، لذلك عليه أن يعيش ليومه فقط، ويعامل أفراده في أوطانهم كأشخاص من الدرجة الثانية، والتشريعات والقوانين تصدر ليتم تجاوزها، وجودة الخدمات العامة رفاهية لا يستحقها، والعدالة والمساواة بين أفراد المجتمع ترف يصعب تطبيقه، والمرأة لا تملك من الحقوق سوى الحمل والإنجاب، والأقليات لا تجد من ينصفها، والدين تجارة للإرهابيين، والمجتمع المدني ديكور للوجاهة السياسية، والدساتير وضعت ليتم تناسيها. فأين المجتمع الذي يمكن أن نتعامل معه وسط كل هذه المؤشرات التي تدل بكل وضوح عن مجتمع جاهلي يعيش في القرون الوسطى، لا يزال عالة على المجتمع العالمي؟ إنه مجتمع لا ينتج ولا يريد ذلك، ويستهلك ولا يتوقف عن الشكوى، ولا يشارك في صنع الحضارة العالمية ولا يحاول ولكنه يجأر من ظلم التخلف، مجتمع كل آماله أن يعيش يومه، ويحيا على اجترار أمجاد ماضيه.
بعد كل ذلك يكون حديثنا عن المعرفة ضرباً من المستحيل، لأن المعرفة مفتاح نهضة الأمم وطريقها نحو التنمية الشاملة، إنها الجسر بين العجز والقدرة، بين التخلف والتقدم، إنها الطريق السريع ليتبوأ المجتمع مكانه تحت شمس الازدهار والرقي. المعرفة هي الفرصة السانحة للمج