من المقرر أن تجري باكستان انتخاباتها العامة القادمة في ربيع 2013. وستكون هذه الانتخابات هي الأولى منذ الاستقلال عام 1947؛ التي سيتم من خلالها إجراء انتقال سلمي ديمقراطي للسلطة. والحكومة الجديدة في هذه البلاد ستواجه حزمة رهيبة من المشكلات تشمل انقسامات عميقة في أوساط النخبة السياسية الحاكمة، وتهديد الانفصال من قبل الولايات المحبطة، وأزمة اقتصادية حادة، وصراعاً مستمراً مع العناصر الموالية لـ"طالبان"، واحتمالات حدوث فوضى إقليمية، عندما تنسحب القوات الأميركية وقوات "الناتو" من أفغانستان عام 2014 وأخيراً وليس آخر الصراع الوجودي غير المحسوم مع جارتها الهند، وهو صراع وإن كان أقل توتراً الآن عما كان عليه في الماضي، إلا أنه ينطوي على احتمال تجدد العنف بين البلدين في أي وقت. والكثير من هذه المشكلات معروف، وتتم مناقشته بشكل مستمر، سواء في باكستان أو في الدول المجاورة والصديقة. والشيء المفهوم بدرجة أقل من تلك المشكلات هو التحديات التي تواجه هذا البلد الذي يبلغ تعداد سكانه في الوقت الراهن 180 مليون نسمة، وينتظر أن يصل إلى ما يقرب من300 مليون نسمة خلال العقدين المقبلين. والتحديات الرئيسية التي تواجه باكستان تشمل ما هو وارد في القائمة التالية المقدمة من قبل وزارة المالية الباكستانية عام 2011: -الأمطار الموسمية الغزيرة التي تتسبب في حالات جفاف متكررة، وفي فيضانات وسيول عنيفة. - ذوبان ثلوج قمم جبال كوش الهندية، وجبال الهملايا بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري العالمية. - تزايد حالات انسداد السدود الرئيسية وعدم قدرتها على احتجاز كميات ضخمة من المياه تفوق طاقتها بسبب الفيضانات المتكررة. - الزيادات في درجات الحرارة الناتجة عن زيادة سخونة الجو والماء بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري كذلك. - التهديدات للمناطق الساحلية بسبب ارتفاع مستويات مياه البحار والمحيطات وغمرها لتلك المناطق. - التوتر المتزايد بين المناطق المرتفعة والمنخفضة التي تتشارك في مصادر واحدة المياه. - المخاطر الصحية العديدة. - الهجرة من الريف إلى المدينة المدفوعة بالتغيرات المناخية. وثلاثة من بين هذه التحديات تستدعي اهتماماً خاصاً يمكن بيانها على النحو التالي: أولاً، في مقاطعة السند المجاورة للمحيط الهندي، غمرت مياه البحر ما يقرب من مليوني فدان من الأراضي، وهو ما كان له تأثير مدمر على إنتاج المحاصيل الرئيسية التي يعتمد عليها السكان في معيشتهم. فنظراً لضعف شبكات صرف المياه في هذه المناطق بسبب ضعف إمكانيات السكان والدولة، فإن ما يحدث عند وقوع فيضان أو مد بحري عالٍ هو أن تلك المياه تغمر مناطق تمتد إلى عشرات الكيلومترات في دلتا نهر السند، وتظل راكدة في مكانها بسبب عدم وجود منافذ لتصريفها، ما يؤدي إلى تلف المحاصيل. وتشير الإحصائيات إلى أن هناك ما يقرب من ثلاثة ملايين إنسان قد تأثروا نتيجة تلف المحاصيل، وأن العديد من المجتمعات المحلية التي تعتمد على الزراعة تواجه الآن ليس فقط احتمالات الإفلاس، بل أيضاً احتمال الهجرة إلى مناطق أخرى، وهو ما يفاقم من أعباء الهجرة الداخلية للسكان من الريف للمدن داخل باكستان، وهي مشكلة يواجهها عدد من الدول الآسيوية في الوقت الراهن. ثانياً، هناك بعد ذلك مشكلة ذوبان الثلوج. فعندما تذوب الثلوج، فإن ذلك لا يسبب فيضاناً وسيولاً في المدى القصير، ولكنه يؤدي في المدى الطويل إلى تناقص كميات المياه العذبة في الأنهار الكبيرة في باكستان والهند والصين، وغيرها من دول جنوب آسيا. وفي الوقت الراهن ليس هناك دليل قاطع على الوتيرة التي يتم بها ذوبان الثلوج، ولكن ليس هناك شك في أن هناك شيئاً مخيفاً للغاية في طريقه للحدوث. ثالثاً، النقص المزمن في المياه العذبة. وليست إمدادات المياه العذبة هي المهددة وحدها، وإنما نوعيتها كذلك التي تدهورت وتعرضت للتسمم بواسطة النفايات الصناعية بسبب العديد من المصانع، وخصوصاً مصانع السكر التي أقيمت بأعداد كبيرة على ضفاف أنهار باكستان الكبرى. وما لم يتم التوصل إلى طرق فعالة للتعامل مع هذه المشكلات المائية الطويلة الأمد، سواء المتعلق منها بالمياه العذبة التي تتناقص باستمرار، أو المياه المالحة التي تتلف المحاصيل، فإنه لن تكون هناك وسيلة أمام باكستان للتعامل مع الزيادة المستمرة في أعداد سكانها، ومع ظاهرة الهجرة الداخلية المتفاقمة من الريف إلى المدينة. ولذلك، وبصرف النظر عن مدى نجاح الحكومة الجديدة المنتخبة ديمقراطياً في حل بعض الصراعات العنيفة في باكستان، فإنه ما لم يتم بذل اهتمام أكبر بالتحديات البيئية الطويلة المدى، فإن الكارثة ستحُل لا محالة. والأنباء الطيبة الوحيدة في ذلك هي أن باكستان ليس وحدها التي تواجه مثل هذه التحديات، إذ تشاركها في ذلك الهند وبنجلادش والدول الأصغر الواقعة في جنوب آسيا، التي تواجه مشكلات مماثلة. وفي ضوء هذه الحقيقة تصبح الحاجة إلى تعاون إقليمي للعمل من أجل مواجهة التحديات البيئية طويلة الأمد، أمراً ملحاً. ومن خلال التخطيط الدقيق، والتصميم الهندسي الأفضل، وطرق الري الكفؤة يمكن تخفيف حدة بعض المخاطر والأضرار. ولكن ما لم يتم القيام بالعمل المطلوب فوراً، ومن دون إبطاء، فستسوء الأحوال في باكستان وتؤدي إلى مفاقمة التوتر السياسي الشديد القائم بالفعل بين الطوائف والجماعات المتحاربة في تلك الدولة الكبيرة، والمهمة، والفخورة بنفسها.