إذا ما حكمنا على الأمور من واقع الوضع الأمني المتدهور في العراق، فإن جورج بوش يجب أن يأتي وراء كيري في استطلاعات الرأي التي يتم إجراؤها في أميركا حالياً. فالخسائر الأميركية في العراق تجاوزت حاجز الألف قتيل، كما أن كل يوم يمر يحمل معه أنباء عن تصاعد هجمات المتمردين ضد قوات التحالف، وضد المدنيين العراقيين، وقوات الأمن، والأموال التي كانت مخصصة لإعادة الإعمار، جرى تخصيصها لتعزيز الجانب الأمني، وعقد انتخابات عراقية حرة ونزيهة في أي وقت في المستقبل القريب لن يكون ممكناً مع التدهور الأمني الحالي، ويضاف إلى ذلك أن الانتقادات التي وجهت إلى الإدارة الأميركية بسبب سوء معالجتها للأوضاع في العراق قبل وبعد الإطاحة بنظام صدام حسين، قد ازدادت بصورة كبيرة إلى درجة أن بعض المحافظين الجدد انشقوا عن الصفوف، ويقومون الآن بإصدار أحكام قاسية على الطريقة التي أدارت بها الإدارة الأمور عقب الحرب.
ومع ذلك فإن كيري لم يستفد من حالة السخط السائدة نحو الإدارة حيث لا يزال يأتي وراء بوش في استطلاعات الرأي. والسبب في ذلك يرجع في رأيي إلى الرسالة المشوشة التي أراد توصيلها للناخب الأميركي بشأن موضوع العراق. فهو يقول إنه لو كان في مكان بوش لكان قد قام بالإطاحة بصدام حسين، ولكنه يختلف عنه في أنه كان سيقوم بإجراء العمليات بشكل مختلف، قبل وبعد الهجوم الاستباقي الذي شنته الولايات المتحدة ضد العراق في مارس 2003.
ويقول كيري أيضا، إنه لو انتخب رئيساً فسوف يقلل من حجم الدور الأميركي العسكري في العراق، من خلال مطالبة الحلفاء بتقديم دعم عسكري إضافي للقوات الأميركية هناك. بيد أن هناك عدداً قليلاً من الأفراد هم الذي يؤمنون أن كيري صادق فيما يقوله.
والحقيقة أن ازدواجية كيري بشأن العراق، قد وفرت لبوش الفرصة كي يقوم بحشد المؤيدين حوله، وكي يجعل الأميركيين يتساءلون عن مدى ملاءمة كيري لتولي منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية. فالجزء الأكبر من شهر أغسطس، وهو الشهر الذي كان يجب على كيري أن يقوم فيه بإضافة المزيد من اللبنات للنجاح الذي حققه في مؤتمر الحزب الديمقراطي في يوليو، تم تكريسه لجدل غير مفهوم ولكنه مرير مع ذلك عن فترة خدمته العسكرية في فيتنام، عندما قاد لفترة لم تزد عن عدة أشهر وحدة (زوارق سريعة) تعمل في أنهار فيتنام الجنوبية.
والمشكلة بالنسبة للديمقراطيين أنهم كحزب منقسمون على أنفسهم بشأن العراق. فهناك أعضاء في الحزب مثل تيد كنيدي والمحافظ السابق هاورد دين عارضوا تلك الحرب منذ البداية، ولكن هناك أيضاً أعضاء آخرين مثل كيري، وجون إدوارد الذي سيخوض الانتخابات كنائب له، والسيناتور جوزيف ليبرمان.. ساندوا الحرب.
على نفس المنوال، هناك خلاف بين أعضاء الحزب الديمقراطي حول النقطة المتعلقة بما يتعين عمله الآن في العراق. البعض منهم يؤيد إيجاد استراتيجية خروج واضحة ذات جدول زمني محدد، في حين أن البعض وعلى رأسهم كيري يقولون إنهم ملتزمون بمواصلة البقاء في العراق حتى استكمال المهمة، ويؤكد كيري للشعب الأميركي أنه سيخوض حرباً هناك أفضل من تلك التي يخوضها بوش الآن.
وقام إاستراتيجيو الحزب الجمهوري باستغلال هذه الشيزوفرينيا الديمقراطية بشأن العراق، وركزوا هجماتهم عليها، واستغلوا كل فرصة ممكنة لتعزيز صورة جورج بوش. وكانت الرسالة التي أراد هؤلاء توصيلها للناخب الأميركي هي أن بوش قد يرتكب أخطاء أحياناً، ولكن ميزته أنه بمجرد أن يلتزم بسياسة فإنه يكون مصمماً على السير فيها حتى النهاية ،حتى وإن لم تحظَ تلك السياسة بالتأييد والشعبية في بدايتها.
فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي حربه على الإرهاب وتصديه للأشرار، وحتى في الهجمات الإرهابية البشعة، التي وقعت في خارج أميركا مثل مجزرة بيسلان فإن الأسباب التي يقدمها بوش للوقوف بصلابة ضد تلك القوى كانت تلقى دائماً وقعاً حسناً لدى الناخب الأميركي.
ومن هنا إن على كيري أن يعالج ضعف موقفه لأن الوقت يمضي سريعاً. وما لم يرتكب بوش غلطة كبيرة، وما لم يحدث تدهور خطير للأوضاع في العراق ، فإن كيري مطالب باستغلال المناظرات الانتخابية التي ستجري أول مناظرة منها في 30 سبتمبر الحالي لتوضيح موقفه بشأن العراق، ولتقديم أسباب وجيهة تدفع الناخب الأميركي إلى الاعتقاد بأن سياسة كيري ليست واضحة ومتماسكة فقط ، ولكنها أيضاً الأكثر ملاءمة لقيادة الولايات المتحدة للخروج بمحصلة مرْضية في العراق.