التلوث يؤدي إلى إعاقة نمو رئات الأطفال، مما يجعلهم أكثر ضعفاً من غيرهم، وأكثر قابلية للإصابة بأمراض الرئة والقلب، وغيرها من المشكلات الصحية عندما يكبرون. هذه هي خلاصة ما جاء في دراسة متخصصة نشرت منذ أسبوع تقريباً. فقد قام الباحثون في كاليفورنيا، التي تعتبر من أكثر الولايات الأميركية تلوثاً بإجراء دراسة على 1759 طفلا، واستغرقت ثمانية أعوام كاملة، تبين لهم في نهايتها أن الأطفال الذين يعيشون في مناطق تكثر فيها عوادم الاحتراق، وغيرها من الملوثات قد نموا برئات ذات سعة تقل كثيراً عن سعة رئات الأطفال الذين يولدون في مناطق غير ملوثة. هذا ما يقوله "جيمس جاودرمان"، كبير الباحثين الذين اشتركوا في إجراء تلك الدراسة، التي نشرت نتائجها في مجلة "نيو إنجلاند جورنال الطبية" الأسبوع الماضي، وهو يعمل في نفس الوقت أستاذاً مساعداً بجامعة ساوثرن كاليفورنيا "إن المعنى الضمني للنتائج التي توصلت إليها دراسة جاودرمان، هو أن الأطفال الذين يعيشون في مناطق تعاني من زحام مروري، قد يواجهون هم أيضاً مشكلات مماثلة". هذا ما يقوله الدكتور "جوناثان سامت" رئيس قسم الأمراض الجلدية في كلية بلومبرج، للصحة العامة التابعة لجامعة جون هوبكنز الأميركية الشهيرة.
ويقول "سامت": "هذا دليل مهم أصبح متاحاً لدينا، ويثبت لنا بما لا يدع مجالا للشك أن التلوث الموجود في بعض الولايات الأميركية قد يؤدي إلى بطء نمو رئات الأطفال" وليس هذا فقط بل يضيف إلى ذلك قوله:"وما يعنيه هذا، هو أن الأطفال الذين تعرضوا لمستويات مرتفعة من التلوث في طفولتهم، يصلون إلى مرحلة المراهقة وهم يعانون من صغر حجم رئاتهم بالمقارنة مع رئات الأطفال الآخرين الذين يعشون في مناطق أقل تلوثاً... وهو ما يعني أيضاً أنهم قد يكونون معرضين للأمراض أكثر من غيرهم".
وجاء في مقال افتتاحي، ظهر في نفس العدد الذي نشرت فيه نتائج الدراسة المشار إليها آنفاً، أن دراسة "جاودرمان"، قد توصلت إلى نتائج جديدة، لأنها تشير إلى أن تعرض الأطفال إلى مستويات من التلوث بشكل يومي حتى وإن كان معدل هذا التلوث منخفضاً، يمكن أن يؤدي إلى إصابة رئاتهم بأمراض مزمنة.
ويذكر أن هناك بحوثاً كثيرة، بعضها يعود إلى عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، قد أظهرت أن التعرض للدخان الملوث، وخصوصاً ذلك المتصاعد من المصانع بكميات كبيرة يمكن أن يؤدي إلى وفاة بعض الأشخاص.. ويذكر أن العلماء في حقبة الثمانينيات والتسعينيات، قد قاموا ببحوث تبين لهم من خلالها، أن التعرض لمستويات منخفضة من التلوث، سواء من عوادم السيارات أو دخان المصانع، أو محطات القوى الكهربائية يمكن أن يؤدي إلى تعرض الصغار إلى نوبات الربو، وقد يؤدي بهم في حالات معينة إلى الوفاة المبكرة.
ولكن دراسة جاودرمان التي خُصص لها مبلغ 18 مليون دولار في صورة منحة من ولاية كاليفورنيا، والتي استغرق إجراؤها عقداً كاملا من الزمان تقريباً، واشترك فيها 40 باحثاً متخصصاً، هي أول دراسة تقدم الدليل على وجود صلة بين التعرض الدائم للتلوث، وبين التشوهات التي يمكن أن تتعرض لها رئات الأطفال، وذلك كما جاء في المقال الافتتاحي لعدد المجلة الذي ظهرت ضمنه تلك النتائج. "إن نتائج هذه الدراسة تنطبق على أية منطقة حضرية... وهي تثبت أنه كلما ارتفعت مستويات التلوث، كلما ازدادت نسبة الخطر التي يتعرض لها الأطفال وخصوصاً فيما يتعلق بتلف الرئة، وانخفاض سعتها، وإصابتها بأمراض مزمنة" هذا ما يؤكده جاودرمان .
وأردف جاودرمان قائلا:"الحل في رأيي يكمن الحل في إجراء تعديلات على القوانين الخاصة بكل ولاية، خصوصاً في مجال حماية البيئة... إذ يمكن على سبيل المثال إجراء تعديلات على تلك القوانين، أو حتى سن قوانين جديدة تنص على إلزام سائقي السيارات بوضع مصافٍ إضافية على أنابيب العادم في سياراتهم، للحد من الانبعاثات الغازية الصادرة منها، والتقليل بالتالي من خطورة مشكلة التلوث... ولكن الأمر يجب ألا يقتصر على السيارات، وإنما يجب وضع قوانين مماثلة بالنسبة للمصانع، ومحطات توليد الطاقة الكهربائية، وماكينات الديزل، وعوادم القطارات والسفن وغيرها...".
و أعلى نسبة للتلوث بسبب الجزيئات الغازية الدقيقة على مستوى ولاية كاليفورنيا هي تلك الموجودة في مدينة (ريفرسايد)، التي تم إجراء جزء من الدراسة فيها. ففي هذه المدينة يزيد تركز ذرات الهباء بنسبة 93 في المئة عن معايير نوعية الهواء الفيدرالية، وذلك وفقاً لما جاء بدراسة أجرتها إحدى الوكالات المختصة بحماية البيئة خلال الفترة من عام 2000 وحتى عام 2002.
ومما يذكر في هذا الصدد أن هناك 400 مدينة ودولة في العالم، تتماشى نسب التلوث بها مع النسبة المسموح بها وفقاً لما هو محدد في معايير نوعية الهواء الفيدرالية، وأن أقل مدينة سجلت نسبة تلوث، هي مدنية سانتافي، بولاية نيو مكسيكو الأميركية.
وبحث جاودرمان لم يقم فقط بدراسة تأثير التلوث بالجزيئات الدقيقة فقط، ولكنه قام أيضاً بدراسة عن التلوث بثاني أكسيد النيتروجين، وا