مسار التحولات، الانتفاضات، الثورات، سمُّوها ما شئتم، يبلغ العامين مع حلول ذكرى غضبة محمد البوعزيزي، وإشعاله النار في جسده. لم تعد للحدث في بلده تونس، ولا في مدينته سيدي بوزيد، المعاني والمفاهيم والرومانسية ذاتها. تلاحقت التطورات وتسارعت مستثيرة الكثير من الغضب والتطاحن بين الشعب والسلطة الجديدة، بين فئات الشعب، وبينها وبين العالم الخارجي، والأخطر بين ماض قريب يستعصي على الانطواء ومستقبل مستعص على الارتسام. مرة أخرى يطرح السؤال: هل كان يجب أن يحصل ما حصل؟ كثيرون مرّوا، في تونس ومصر تحديداً، بلحظات «حنين» إلى استقرار لم يعد ممكناً إدراكه، وصولاً إلى «الترحُّم» على نظام كان يحمل بذور التطوير واحتمالاته لكن قصور شخوصه أبقاه في معادلة الاستبداد مقابل الاستقرار، غير أن الفساد والقسوة وانعدام الرؤية المستقبلية أخلَّت بالاستقرار لتبقي على الاستبداد. والمؤكد اليوم أن ما حصل كان نتيجة طبيعية لتركّز السلطات لدى فرد واحد، ولادعاء الديمقراطية من دون توافر الثقافة اللازمة لها، بل من دون الاهتمام بتوفير مثل هذه الثقافة أو بالأحرى الحرص على استبعادها. أصبح من الواضح أن الأنظمة المتساقطة لم تفرض نفسها وممارستها وسوء إدارتها للاقتصاد فحسب، بل فرضت عملياً بدلاءها بحكم تسليطها القمع على الإسلاميين معتقدة أنها تضعفهم وتمنع وصولهم إلى السلطة فإذا بها تساهم في تهيئتهم للقفز إلى سراياتها. وفي سياق ضغطها على هؤلاء، تارة باسم «الإرهاب» وطوراً باسم «المؤامرات» أو لمكافحة ظلاميتهم، كانت تمارس أيضاً قمعاً للقوى المدنية والليبرالية. وعلى رغم أن قمعها لهؤلاء كان أكثر خطورة، لأنه أدّى إلى «تجريف سياسي» وهجرة الكفاءات، فإن الشعوب اعتبرت نفسها أمام ثنائية السلطة-الإسلاميين، وإذا أرادت الخلاص من السلطة فلابد لها من الالتجاء إلى الإسلاميين، ذاك أن المجتمعات تجنح إلى اللون الواضح، إما الأبيض وإما الأسود، واسِمة القوى المدنية والليبرالية باللون الرمادي الذي يمكن أن يكون من «الفلول» أو مبالغاً في التغرّب والحداثة، وبالتالي يصعب الاعتماد عليه. في أي حال، وبالمقارنة، لا يزال التونسيون والمصريون «محظوظين» لأن تجربتهم لم تذهب بالحاكم إلى حد استخدام الأسلحة الثقيلة لقصف المدن وتدميرها. أمكنهم أن يتفادوا حرباً أهلية، لكنهم شرعوا في حروب أهلية بسيناريوهات مختلفة. قيل إن العالم العربي دخل «ربيع» شعوبه، غير أن عشرات آلاف الضحايا وكماً هائلاً من الدمار وأطناناً من المشاكل الاجتماعية رمت «ربيع» ليبيا وسوريا في «خريف» بائس لا تُعرف له نهاية. طوال شهور مريرة شاهدنا أنماطاً من الهتلرية والستالينية والمغولية تستعرض قدراتها وكنا ظنناها اندثرت مع أصحابها. ولعل ما زاد من هولها أن كثيراً من فظائعها صار أشرطة منتشرة على شبكات الإعلام الحديث لتبرهن أن كل بلاغات الوصف والتدوين لا يمكن أن تضاهي أو تنافس الفعل الوحشي منقولاً بالصوت والصورة. كان «الربيع» توصل إلى معيار مبدئي: من يطلق النار على شعبه لا يمكن أن يحكمه بعد الآن. أما «الخريف»، كما تراءى في سوريا وليبيا، فطرح السؤال المحيّر: كيف لحاكم يرسل طائراته لدكّ المدن ويستخرج ترسانته من الصواريخ ضد شعبه أن يعتقد أنه لا يزال مؤهلاً لحكمه؟ لا شك أن النموذج اليمني تفرّد بالكثير من المظاهر فبين قصف خيام الاعتصام لقتل متعمد لـ«شباب الثورة» وبين التنحي المتلفز للرئيس لاحت بشائر التعقل، ثم تبين أنها كاذبة ومزيفة. كانت إيهاماً بالتراجع والانسحاب استعداداً للعودة أو، في أفضل الأحوال، لعرقلة التغيير والانتقال. ليس أسوأ من التشبث بالسلطة سوى الإصرار على التسلط، وكأن الحاكم يقول إن هذا البلد لم يوجد إلا ليتمتع بحكمه، فإذا زال سلطانه يزول البلد معه. ثمة قاسم مشترك بين كل التجارب: الحكم لم يهتم أساساً باستمداد شرعيته من قبول الشعب بل من قمعه. وها هي أنظمة المقموعين السابقين تشي، في خطواتها الأولى، بأنهم يريدون تكرار أساليب قامعيهم المخلوعين. طرحت التحولات تحديات عدة: إعادة إنتاج الوطنية وتعريفها، واستنباط الديمقراطية من العدم، وقبول الآخر مع الاختلاف عنه، إثبات مفاهيم القانون والحقوق الإنسانية، والتوافق على الدولة المدنية... كل ذلك يناقض ما تربّى عليه المتاجرون بالدين. كانوا يذمّون الحاكم السابق لأنه اعتبر نفسه إلهاً، لكنهم يخرجون من صناديق الاقتراع ليكتبوا دساتير تؤلِّه من يدلونه، ثم يستغربون لماذا تثور المجتمعات عليهم.