الوكالة الدولية للطاقة الذرية وظلال السياسة على ملفات "النووي"


 بدا من أحداث الآونة الأخيرة أن هناك شيئاً ما يشبه التحدي في وجه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن ما يحدث إزاءها يمثل صورة أخرى لمواقف ازدراء سابقة امتُهِنت فيها هيبة الوكالة على أيدي دول لها ملفات نووية حقيقية أو مفترضة ودول أخرى تريد توريط الوكالة في تلفيقات أولها كلام وآخرها حرب. فقد عادت كوريا الشمالية التي تمثل عقبة كأداء في مهام الوكالة منذ عام 1997 إلى دائرة الضوء مجدداً إثر انفجار غامض سمع دويه في أراضيها الأسبوع الماضي، وفي الوقت ذاته هددت بمقاطعة جولة المحادثات المرتقبة في نهاية الشهر الجاري حول برنامجها النووي، في تحدٍّ مبطن ضد الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي تطور فاجأ مسؤولي الوكالة اعترفت من جانبها دولة الشطر الجنوبي لشبه الجزيرة الكورية لأول مرة بأنها أجرت تجارب نووية بواسطة استخدام البلوتونيوم في ثمانينيات القرن الماضي، وأنها أخفت نشاطها النووي عن مفتشي الوكالة الذين زاروا سيئول عدة مرات .


 ولعل الأهم من ذلك هو عودة الملف الإيراني الذي أثير منذ 19 شهراً، لكنه هذه المرة عاد ليثير انقساماً في مجلس محافظي الوكالة المنعقد يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين في فيينا، حيث فشلت الدول الغربية في الاتفاق على مسودة المشروع الذي أعدته الولايات المتحدة، ويتضمن تحديد شهر أكتوبر المقبل كموعد لنهاية المهلة المتاحة أمام إيران كي تبدي التعاون المطلوب مع الوكالة، بما في ذلك السماح لمفتشي الوكالة بدخول منشآتها النووية بشكل كامل وفوري وغير محدود، وتقديم كافة المعلومات حول نشاطها النووي السابق، ووقف عمليات تخصيب اليورانيوم فوراً وبشكل كامل.. وإلا فستتم إحالة ملفها إلى مجلس الأمن الدولي ليقرر فرض عقوبات ضدها. فما هي سلطات الوكالة؟ وهل قراراتها فنية أم سياسية؟ الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي منظمة حكومية مستقلة وتابعة لهيئة الأمم المتحدة، وتتمثل مهمتها الأساسية في مراقبة الاستخدامات السلمية للطاقة النووية ومنع تطويرها في تطبيقات ذات أغراض عسكرية. ونشأت الوكالة في 8 ديسمبر 1953 باقتراح من الرئيس الأميركي دوايت إيزنهاور الذي دعا، أثناء انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى إنشاء وكالة دولية مكلفة بالرقابة على استعمالات المواد النووية في العالم، ثم صادقت 81 دولة على النظام الأساسي للوكالة في 23 أكتوبر 1956، لتبدأ وظائفها رسمياً في 29 يوليو 1957.


لكن صراع القوتين العظميين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي أعاق تطبيق النظام الأساسي الذي حدد مهام الوكالة في الرقابة على التطبيق الآمن للطاقة النووية، وحماية البشرية من أخطارها، ومنع تبادل التكنولوجيا النووية. وتعيّن انتظار أزمة الصواريخ الكوبية في عام 1961 لتبدأ الدولتان العظميان إخضاع ترسانتيهما النوويتين للمراقبة. وجاء التصديق على اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية في عام 1968 ليوسع مساحة اختصاصات الوكالة. وزادت مرة أخرى مهمات الرقابة من طرف الوكالة بعد الصدمة البترولية في عام 1973 حيث بدأت العديد من الدول في استخدام الطاقة النووية بكثافة لتلبية حاجاتها من الطاقة. لكن كارثة "إثري ميل ايسلاند" في بنسلفانيا بالولايات المتحدة عام 1979، ثم حادثة "تشرنوبل" في الاتحاد السوفييتي، أدتا إلى توقف العديد من الدول عن إنتاج واستخدام الطاقة النووية. وجاء اكتشاف البرنامج النووي السري العراقي عام 1991 ليعزز دور الوكالة ووسائلها في الرقابة على التسلح النووي، إذ احتفظت بوجود لها في العراق منذ عام 1993 حتى فبراير 2003، ورفعت تقاريرها خلال عشر سنوات إلى مجلس الأمن الدولي عن برامج التسلح العراقية وعمليات التخلص منها. وكان ذلك امتحاناً عسيراً لحياد الوكالة وصدقيتها، ففي مرحلة السويدي هانس بليكس الذي شغل منصب الأمين العام للوكالة من 1981 إلى 1997 ثمنت تقارير الوكالة جهود العراق في التخلص من أسلحة الدمار الشامل. أما في مرحلة محمد البرادعي الذي حل محل بليكس ليصبح أول عربي يشغل هذه المنصب، فكان التقرير الذي قدمه إلى مجلس الأمن في 17 يناير 2003 بشأن التزام نظام صدام حسين بالقرار الدولي رقم 1441 أحد مبررات الإدارة الأميركية في حربها على العراق. وفضلا عن الاتهامات التي وجهتها أطراف عربية إلى دور البرادعي مشككة في استقلاله عن الإدارة الأميركية، بالغت أوساط أخرى في لومه إثر الزيارة التي قام بها إلى إسرائيل في يوليو الماضي، حيث لم يتحدث بكلمة واحدة عن البرنامج النووي الإسرائيلي بل جفت بلاغته في جوار مفاعل ديمونا النووي.


غير أن صمت البرادعي ليس شخصياً، فالوكالة لم تعتد على انتقاد الترسانة النووية الإسرائيلية أو إبداء قلق منها على أمن المنطقة. وفي حين قارن القرار الذي اتخذته الوكالة في مارس الماضي بين إيران وليبيا قائلا إن البلدين حصلا على المعدات النووية من "نفس المصادر ا