سجال حول تسليح المعارضة السورية... واستمرار تجاذب الحالة المصرية المطالبة بتسليح المعارضة السورية، وتواصل التجاذب في مصر، وتغول الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، ثلاثة موضوعات إقليمية حضرت بقوة في الصحافة الفرنسية. المخاض السوري تزامناً مع المكاسب الميدانية الأخيرة التي حققها الثوار السوريون الذين باتت عملياتهم على مداخل العاصمة دمشق، على رغم اختلال موازين القوى بينهم وبين جيش الأسد، نشرت صحيفة لوموند مقالاً تحت عنوان «يتعين تسليح الثوار السوريين» للكاتب الفرنسي «جان بابتيست فيلمر»، وهو مؤلف كتاب مشهور عن «الحرب لدواعٍ إنسانية»، قال في مستهله إنه مع استمرار النزاع الدموي السوري، دون التمكن من إيجاد حلول سياسية، أو التوافق على تدخل عسكري لحماية المدنيين الذين هم ضحايا الصراع الحقيقيون، فقد بات من الضروري اللجوء إلى الخيار الممكن الوحيد الآن وهو تسليح الثوار السوريين. وهذا هو أقل ما يتعين فعله اليوم، لأن العالم لا يمكن أن يظل متفرجاً بينما المدنيون السوريون العزل يقتلون بمعدل ألف إنسان أسبوعياً، ولكون صمت العالم في هذه الحالة تترتب عليه مسؤوليات أخلاقية وسياسية لا يمكن تحملها أبداً. ولعل من يترددون في اتخاذ الخطوة المناسبة لحقن دماء المدنيين السوريين يتعللون الآن بعدة مزاعم منها أن ثمة تسريبات فعلاً للسلاح لصالح الثوار السوريين مدللين على ذلك بظهور بعض المقذوفات المضادة للطائرات في ترسانة النشطاء المسلحين والمقاتلين المحسوبين على المعارضة. وهنالك من يعتقد بأن تلك الأسلحة قد تكون آتية من مصادر غربية، والحال أن هذا الاعتقاد غير صحيح في الغالب لأن الصواريخ المضادة للطائرات التي تظهر عند المقاتلين الثوار السوريين هي صواريخ روسية من أنواع معروفة لدى الجيش النظامي السوري. ولذا فإن الثوار قد تحصلوا عليها ضمن غنائم مواجهاتهم ضد كتائب الأسد، وليس من الدول العربية الداعمة للشعب السوري، ولا من العواصم الغربية، ولا حتى مما يتردد عن تهريب السلاح من بعض الدول كليبيا مثلاً. ويرفض الكاتب أيضاً تحجج بعض الأطراف الدولية الممتنعة عن مساعدة الثوار السوريين بمزاعم أخرى من قبيل الخشية من أن يتسبب تسليح المعارضة في زيادة عدد ضحايا المواجهات، وذلك لأن هذا الزعم إنما يقوم على منطق حسابي فقط، وليس على منطق أخلاقي، وكأن المترددين والرافضين مساعدة المقاومين السوريين يقولون: نحن نعرف أن السلاح يقتل المدنيين، ولذا فإن توفير مزيد من الأسلحة لأحد الأطراف في سوريا سيزيد عددياً أرقام الضحايا. هذا في حين أن العكس هو الصحيح، حيث إن تمكين الثوار من الدفاع عن المدنيين سيقلل عدد ضحايا استهداف كتائب الأسد لهم. ومن المعروف في أوقات الحروب، في حال عدم توافر أحد طرفي الصراع على ما يدفع به عن نفسه العدوان، أن ذلك يزيد شهية الطرف المعتدي لسفك الدماء دون أن تكون هنالك قدرة على رده وصده عن عدوانه. وهذا هو حال نظام الأسد الآن، فكلما شعر بأن قدرة المعارضين على صده محدودة فسيزيده ذلك ولوغاً في دماء المدنيين الأبرياء، وخاصة أن خط إمداد النظام بالسلاح من قبل حلفائه الدوليين والإقليميين ما زال متواصلاً، ولم يتمكن المجتمع الدولي من وقف شريان ذلك الإمداد. وفي الأخير يقول الكاتب إن تسليح الثوار السوريين حتى لو افترضنا أنه يحمل محاذير وهواجس إلا أنه يبدو اليوم هو أخف الضررين، بل إن ترك السوريين يواجهون المذابح بصدور عارية دون أن يمكنهم العالم من صد العدوان لن تكون له نتيجة سوى تمديد فترة الصراع، وزيادة دمويته، وبالتالي جعل المخاض السوري أكثر تعسراً، وفي النهاية جعل سوريا المقبلة ما بعد نظام الأسد أكثر راديكالية. وسيزداد الشرخ الطائفي بما يجعل إدارة مستقبلها أشد صعوبة، وأقل فرصاً في التوافق والتعايش السلمي، مع كل ما يعنيه ذلك من مخاطر على نسيجها السكاني، وعلى فضائها الإقليمي القريب والبعيد. التجاذب المصري ضمن تغطيتها للتجاذب السياسي الراهن في مصر اعتبرت صحيفة لوفيغارو أن الضغوط التي يمارسها المعارضون في مصر الآن أخذت تؤتي أكلها حيث بدأت الحكومة الجديدة تقديم تنازلات بغية إيجاد نوع من التوافق، استجابة لمطالب الشارع الذي يحتج فيه أنصار المعارضة مطالبين بوقف استفتاء الدستور، وإلغاء التعديلات المعروفة باسم «الإعلان الدستوري». وكان محيط قصر الرئاسة في القاهرة قد عرف تظاهرات واسعة بعضها معارض وبعضها مؤيد لحكومة «الإخوان» هي ما يسعى النظام لإيجاد نهاية لاحتقانه من خلال الدعوة للحوار والتفاهم مع قادة الأحزاب وقوى الثورة الرافضة للإعلان ولمشروع الدستور. وكان اتحاد المعارضة المعروف باسم «جبهة الإنقاذ الوطني»، الذي يضم حزب الدستور بقيادة محمد البرادعي، قد دعا في بيان وزعه صباح أول من أمس الجمعة، إلى مواصلة الضغوط والاحتجاج وعدم الاستجابة لدعوات الحوار والتهدئة لعدم جدية بعض ما يطلق منها دون ضمانات ملموسة على إمكانية اجتراح وتحقيق بعض أهداف المحتجين. وإن كانت الصحيفة لا تستبعد أيضاً إمكانية التوافق وتوصل الرئيس المصري ومعارضيه إلى خطوط اتفاق على مسطرة معايير وتدابير تقنع المحتجين، وتجعل استعادة الاستقرار السياسي أمراً ممكناً في الوقت الراهن. وفي تغطية أخرى لصحيفة ليبراسون من القاهرة أيضاً استعرض مراسلها مروان شاهين بعض ردود الفعل من قبل مختلف القوى السياسية على خطاب الرئيس المصري مساء الخميس الماضي مؤكداً أن الاستقطاب السياسي بين مؤيدي «الإخوان» ومعارضيهم ما زال قائماً، وأن التظاهرات والتظاهرات المضادة لا تزال هي عنوان اللحظة، وخاصة أن الرئيس لم يلغ في خطابه تعديلات 22 نوفمبر المثيرة للجدل، باستثناء تنازل تمثل في إشارته إلى أن المادة السادسة من مقترح الدستور (التي تمنحه صلاحيات واسعة) تطرح فعلاً مشكلات، وإنه مستعد للنقاش مع المعارضة بشأنها لإيجاد الحلول المناسبة. تغول الاستيطان قالت صحيفة لوموند إن تعمد حكومة نتنياهو الإعلان الآن عن تشريع بناء ثلاثة آلاف وحدة استيطانية جديدة، تزامناً مع الهزيمة الدبلوماسية التي منيت بها في الأمم المتحدة بعد رفع مستوى عضوية دولة فلسطين في المنظمة الدولية، إنما يمثل دليلاً آخر على استناد إسرائيل على منطق وقانون القوة، بدلاً من قوة المنطق والقانون. والحال أن نتنياهو لم يتأخر كثيراً في رفع قفاز التحدي في وجه الإرادة والشرعية الدوليتين. وأخطر ما في المشروع الاستيطاني الجديد الذي أعلنت عنه حكومة نتنياهو يوم 29 نوفمبر المنصرم هو كونه سيؤدي إلى وضع يد الاحتلال على أراض في منطقة بالغة الحيوية والاستراتيجية بالنسبة لتواصل الأراضي الفلسطينية المحتلة في القدس والضفة الغربية. والواقع أن ما تضعه خطة نتنياهو على المحك هو إمكانية تحقيق حل الدولتين بعد الآن، إذ تسعى حكومة اليمين الاستيطاني الإسرائيلي الحالية لجعل إقامة الدولة الفلسطينية أمراً متعذراً إن لم يكن مستحيلاً من الأساس، لأن الأراضي التي ستقوم عليها هي ما يواصل نتنياهو وليبرمان قضمه وممارسة سياسة وضع اليد عليه، بشكل متواصل وحثيث. وزيادة على هذا تولى وزير المالية الإسرائيلي يوفال ستينيتز إطلاق خطوة استفزازية أخرى حين أعلن عن مصادرة عائدات الضرائب الفلسطينية التي يفترض أن تتولى إسرائيل تحويلها إلى السلطة الفلسطينية، وهذه المصادرة تأتي في وقت تجد السلطة نفسها فيه في أمسّ الحاجة إلى تلك الأموال من أجل دفع مرتبات موظفيها. ولم يجد الوزير الإسرائيلي أي مبرر لتعطيل حصول الفلسطينيين على عائدات ضرائبهم سوى التذرع بسداد دين قديم لإسرائيل عليهم، مرتبط بفواتير الكهرباء. كما لم يجد نتنياهو أي مبرر لخطوته الاستفزازية الاستيطانية سوى التذرع بأنه قد اتخذ قرار مصادرة الأراضي بناء على المصالح الاستراتيجية العليا للدولة العبرية. وفي ختام مقالها قالت لوموند إن عشرين سنة من إخفاق اتفاقات أوسلو، وخطة أنابوليس، مروراً بخريطة الطريق، كل ذلك يظهر أن نتنياهو غير جاد في دعوته إلى ما يسميه «المفاوضات المباشرة». كما يظهر بذات القدر من الوضوح أيضاً أن السلام لابد أن يفرض عليه من قبل المجتمع الدولي، لعدم توافر الإرادة ولا الرغبة لديه هو نفسه. إعداد: حسن ولد المختار