كان شارون، ولا يزال، يحلم بأن يكون "ملك إسرائيل" غير المتوَّج بحيث يتربع على قمة الهرم السياسي في الدولة الصهيونية. وقد تحقق له ذلك في انتخابات عام 2001 إذ حملته إلى سدة الحكم بأغلبية لم يشهد تاريخ إسرائيل مثيلا لها منذ تأسيسها. وعندها خاض شارون الانتخابات على أساس توفير الأمن للإسرائيليين خلال مدة زمنية قياسية، إضافة إلى تحقيق الازدهار الاقتصادي لهم بعد تضعضع الاقتصاد في الدولة العبرية واستعادة الشعور بالأمن لدى المواطن الإسرائيلي بعد تعرضه لضربة موجعة بفضل عمليات المقاومة الناجحة في العمق الإسرائيلي. وبتصميم لافت للنظر لضم حزب المعارضة الرئيسي "العمل"، نجح شارون في قيادة الدولة العبرية عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حزب العمل بالإضافة إلى ممثلين عن الأحزاب العلمانية والدينية مثل الليكود، والعمل، وشاس، وإسرائيل بعليا، والاتحاد الوطني، و"شعب واحد". ومع ذلك، فإن هذه التشكيلة المتنوعة المشارب والميول السياسية لم يكن مقدراً لها أن تعمَّر طويلا بسبب الاختلافات العميقة في وجهات نظر الفرقاء الإسرائيليين المؤتلفين. فقد غلب عليها الطابع اليميني المحافظ، بل شديد المحافظة، وكانت أكثر استجابة لمطالب المتدينين والمتطرفين. ففي عهد هذه الحكومة، وتنفيذاً لوعده بالقضاء على الانتفاضة في زمن قياسي، قامت إسرائيل بشن سلسلة من العمليات الدموية الكبرى مثل عملية "السور الواقي" "والطريق الحازم" في عام 2002. كما قامت خلال ذلك بتدمير البنية التحتية للسلطة الفلسطينية، وعادت إلى احتلال المناطق التي انسحبت منها سابقاً نتيجة لاتفاقات أوسلو، مثلما فرضت حصاراً محكماً على الرئيس ياسر عرفات منذ ديسمبر2001.
لقد تركزت "وظيفة" حكومة الوحدة الوطنية، عملياً، على تبرير السياسة القمعية الشارونية/ الموفازية ضد الفلسطينيين، ناهيك عن إصرارها على عزل الرئيس عرفات والتملص من استحقاقات اتفاقيات أوسلو بدعوى عدم وجود شريك للتسوية في الطرف الفلسطيني. كما كانت حكومة الوحدة الوطنية مسؤولة عن استمرار وتكثيف سياسة الحصار والتدمير والاغتيالات التي انتهجتها إسرائيل ضد الفلسطينيين، بل إنها ركزت على سياسة الفصل العنصري وفق المقولة الأبارثايدية:"نحن هنا وهم هناك". وطالما أن الحال كذلك، لم يكن مقدراً أن يستمر "حزب العمل" طويلا في هذه الحكومة بسبب فشلها على الصعيدين الأمني والاقتصادي، بالإضافة إلى تدهور مكانة إسرائيل على الساحة الدولية، علاوة على استشراء حركة الاستعمار/"الاستيطان" في الضفة الغربية وهي الأوضاع التي عززت من نفوذ التيارات المعارضة داخل حزب العمل، للمشاركة في حكومة وحدة وطنية يقودها الليكود. وفي أواخر عام 2002، انسحب حزب العمل فانهارت بالتالي حكومة الوحدة الوطنية. وإثر وقوع ذلك الانهيار، لم يجد شارون أمامه من حل سوى التوجه نحو إجراء انتخابات مبكرة لكل من الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) ورئاسة الحكومة. وقد تمخضت هذه الانتخابات كما هو معروف عن تعزيز مكانة شارون واليمين بشكل عام بصورة لم يسبق لها مثيل. فقد جرى انتخاب شارون بأغلبية كبيرة لم يحظ بها أي رئيس وزراء إسرائيلي سابقاً كما أصبح حزب الليكود هو الحزب الأول والرئيس غير المنازع في الحياة السياسية المعاصرة في إسرائيل بعد أن كسب (38) مقعداً من مقاعد الكنيست في حين أنه كان يحتل (19) مقعداً في الكنيست الذي سبق الانتخابات. وفي مقابل صعود حزب الليكود، تراجع حزب العمل باحتلاله (19) مقعداً في الكنيست الحالي بعد أن كان يحتل (26) مقعداً في الكنيست السابق، الأمر الذي جعل الفرق بينه وبين الليكود شاسعاً. أما حزب شينوي العلماني فقد قفز إلى المركز الثالث بين الأحزاب الإسرائيلية الرئيسية إذ ارتفع عدد مقاعده من (6) إلى (15) مقعداً وأصبح بالتالي الرابح الثاني بعد الليكود. أما حزب شاس، أبرز ممثل لليهود الشرقيين المتدينين، فقد تراجع بشكل واضح إذ أصبح يحتل (11) مقعداً في الكنيست الحالي بعد أن كان يحتل (17) مقعداً في الكنيست السابق فأصبح رابع حزب في إسرائيل. ويبدو واضحاً أن المقاعد التي خسرها حزب شاس قد ذهبت إلى الليكود وهو مجرد تراجع حزب لصالح حزب آخر في التيار ذاته مما يعني أن نفوذ هذا الاتجاه في الساحة الإسرائيلية ما زال على حاله ولو اختلفت التعبيرات التنظيمية.
غير أن أبرز ما كشفت عنه الانتخابات تجلّى في التراجع الواضح في نفوذ التيار "اليساري"/ العلماني وهو التيار الذي يمثل الاتجاه "المعتدل" نسبياً في موضوع التسوية مع الفلسطينيين والعرب. فقد عكست هذه النتائج التآكل الخطير في مكانة حزب العمل الناجم عن الخلافات الواسعة بين أقطابه، وانسحاب بعض قيادييه منه (يوسي بيلين وأبراهام بورغ) وانتهاج قيادته السابقة بزعامة بنيامين بن أليعازر وبتأثير من شمعون بيريز (الذي كان وزيراً للخارجية فيها) سياسة تابعة لشارون، الأمر الذي أثر سلباً على مكانة حزب العمل. وتشير استطلاعات الرأي العام في الدولة الصهيونية إلى أن ثمة تغيراً واضحاً في مزاج الإسرائيلي