كلما تحدثتُ حديثاً عاماً عن الكواكب الجديدة التي جرى اكتشافها مؤخراً، فإننى أكون على أشد الحرص على زيارة موقع الكواكب في شبكة الإنترنت، حتى أعلم عدد الكواكب في اليوم المعين الذي أتحدث فيه. والسبب وراء هذا الحرص في غاية البساطة، لكون هذا الرقم يتغير يومياً! فقد أصبح اكتشاف كوكب جديد، مهنة عادية تؤديها مجموعات عديدة من الفلكيين، إلى درجة أنه تصعب جداً، متابعة كل كوكب جديد يكتشفونه يومياً. لكن ولمجرد العلم، فإن عدد الكواكب المعلومة التي جرى اكتشافها حتى الثامن من شهر سبتمبر الجاري، وأصبح معلوماً وجودها خارج منظومتنا الشمسية، هو 127 كوكباً! ومع ذلك، فقد أعلنت ثلاث فرق مختلفة من الفلكيين، عن اكتشافات ذات أهمية أكبر من غيرها من الاكتشافات اليومية الجارية، التي تعلن عنها مجموعات كثيرة، وبمعدل يومي. فحركة الاكتشافات الفلكية لم تعد قاصرة على اكتشافنا يوماً إثر الآخر، للمزيد والمزيد من الكواكب المتناهية الصغر، بل طال الأمر كذلك اكتشاف كوكب جديد، يطلق عليه بعض العلماء والفلكيين اسم "الأرض السوبر".
ولكي نتحقق من جودة فهمنا، دعنا نبدأ بالأساسيات: فحتى هذه اللحظة على الأقل، فإن كل ما نعلمه عن الكواكب والأجرام الموجودة خارج منظومتنا الشمسية، يشير إلى أنه قد تم رصد الكواكب والأجرام المشار إليها، عن طريق رصد نجومها، وهي تدور حول أفلاكها المعينة. ومتى ما دار جسمان مع بعضهما بعضاً في فلك واحد، فإنهما يدوران حول مركز كتلتهما المشتركة. ومع أنه يصعب تخيُّل الأمر نوعاً ما، إلا أنه ليس صحيحاً صحة مطلقة، القول إن الشمس تدير الأرض. فكلتاهما - الأرض والشمس- إنما تدوران معاً، حول مركز كتلتهما المشتركة، وهي كتلة تصعب جداً رؤيتها، بسبب كبر حجم الشمس عن الأرض، بحوالي 300 ألف مرة. وفيما يتعلق بنظام محور الأرض-الشمس، فإن مركز الكتلة يقع تحديداً داخل الشمس، وإن لم يكن في منتصفها تماماً. أما التأثير الذي تحدثه الأرض على الشمس، فهو من الضآلة والمحدودية بمكان، إلى درجة أنه لو افترضنا أننا كنا نعيش في كوكب آخر، وتمكنا من النظر بما توفر لدينا الآن من تكنولوجيا رصد فلكي، إلى الشمس، فإننا لن نتمكن من رصد ذلك التأثير مطلقاً. وللسبب عينه، فإن مركز كتلة دوران الشمس- المشترى، لابد من أن يكون أبعد نسبياً عن مركز الشمس. ولكن الاختلاف هنا، أن كلا النجمين السماويين، من الضخامة، بحيث تمكن رؤية التأثير بينهما في دورانهما مع بعضهما بعضاً. ويقيناً فإن رصد الكواكب يكون أمراً سهلا، في حال توفرك على كوكب بضخامة المشتري، حين يدور قريباً جداً من نجمه التابع له. وكلما كان الكوكب أكثر قرباً، كلما ازدادت قوة الجاذبية بينه وبين النجم التابع له، ومن ثم يزداد تذبذب النجم. وهذا هو السبب الذي جعل الفلكيين، لا يبدون دهشة كبيرة عندما أدركوا أن أول كوكب جديد جرى اكتشافه، كان كبير الحجم جداً، وقريباً جداً في الوقت ذاته من نجمه
ونعود إلى موضوع الاكتشاف الاستثنائي الذي توصلت إليه ثلاث فرق مختلفة من العلماء والباحثين الفلكيين مؤخراً. فصفة الاستثناء المطلقة على الاكتشافات هذه، لا تعود إلى حقيقة توصل هذه الفرق الثلاث، إلى اكتشاف أكثر الكواكب صغراً فحسب، وإنما إلى قربها وتشابهها مع كوكبنا الأرض، من حيث التكوين على الأقل، قياساً إلى تلك التي توصل إليها باحثون آخرون من كواكب غازية عملاقة.
فقد اكتشف فريقان فلكيان من معهد "كارنيجي"- بمدينة واشنطن- وفريق آخر من جامعة تكساس، كواكب تعد أصغر نسبياً، وأقرب إلى كتلة الأرض، على رغم أن كتلة تلك الكواكب تعادل أي منها كتلة الأرض بحوالي عشرين مرة، وهي كتلة كوكب "نبتون" تقريباً. وفي الأسبوع نفسه، دفع فريق فلكي أوروبي خطوة اكتشاف كواكب جديدة قريبة من حيث التكوين من الأرض، إلى مدى أبعد، بزعمه اكتشاف كوكب تعادل كتلته كتلة الأرض 14 مرة فحسب. والأكثر إثارة للاهتمام، أن أياً من هذه الكواكب المكتشفة، يقارب نجمه بمسافة تقل كثيراً جداً عن تلك التي يقترب بها كوكب عطارد من الشمس القريبة منا. غير أن هذه الاكتشافات لا تحمل أية آمال بقرب توصلنا إلى كوكب آخر، تشبه ظروفه المناخية، الظروف المناخية المتوفرة في كوكبنا الأرض، ومن ثم تستطيع دعم الحياة فيه، كما يتمنى الكثير من العلماء الفلكيين والساسة وصناع السياسات والقرارات في مختلف المجالات. ذلك أن كل الكواكب التي جرى اكتشافها حتى الآن، هي ذات مناخ حار جداً، وتستحيل فيها الحياة تماماً. لكن هذه الحقيقة، لا تقلل مطلقاً من زهو العلماء وفرحتهم باكتشافهم لأول مرة، نوعاً جديداً من الكواكب قريبة الشبه بالأرض. غير أنها تظل حارة وحارقة جداً، وتفتقر إلى أية مياه سائلة، علاوة على افتقارها إلى الغلاف الجوي نتيجة لحرارتها وغياب المياه فيها. فهل يقتصر تشابه الكواكب المذكورة مع الأرض، على جانب الكتلة وحدها إذن؟ كلا بالطبع. فهناك سبب آخر، أكثر أهمية في تقدير التشابه هذا، ألا وهو احتمال وجود سطح صلب فيها، يشبه السطح الذي يغطي الكوكب الذ