تزامنت عودتي من أميركا الشمالية إلى الوطن العربي مع اقتراب الذكرى الثالثة لما هو معروف الآن في السجلات الدولية بـ11/9... أي الهجوم على مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر وزارة الدفاع الأميركية -البنتاجون- في واشنطن في 11 سبتمبر سنة 2001. وبسبب هذا التزامن كانت العودة فرصة لمقارنة رد الفعل في الدولة الأعظم التي كانت هدفاً لهذه الأحداث وكذلك في المنطقة -أي المنطقة العربية- التي كان مدبرو هذه الأحداث من رعاياها.
في أميركا لا تزال التساؤلات متكاثرة عن السهولة التي تم بها هذا الهجوم، وحتى التقرير الضخم الذي انتهت إليه لجنة التحقيق عن أسباب إخفاق الجهات الأمنية في التصدي لهذا الهجوم لم ينجحْ في الإجابة على هذه التساؤلات المُلحة. ومع هذه التساؤلات فلا تزال بقايا الصدمة موجودة، ثم يسيطر على معظم الأميركيين حتى الآن نوع من الحزن العميق، وأكبر مؤشر على هذا الحزن هو ما قامت به ولاية يوتاه Utah فيما يسمى "الوسط-الغرب" الأميركي American mid-west، فقد خصصت مساحة خضراء كبيرة لزراعة ثلاثة آلاف علم أميركي ترمز لعدد الضحايا الذين قتلوا من جراء هذا الهجوم.
وكعادة النظام الأميركي - خاصة أثناء الحملات الانتخابية- فهناك محاولة للتركيز على هذه الذكرى لـ11/9 من أجل استثمارها من جانب مرشحي الرئاسة الأميركية: جورج بوش عن الحزب الجمهوري، وجون كيري عن الحزب الديمقراطي. ويبدو أن بوش وجماعته يحرزون النصر في استغلال أحداث 11 سبتمبر فيما يسمى الحملة ضد الإرهاب.
ويرتبط بهذا الوضع - أي مصداقية بوش وجماعته- موقف المسلمين الأميركيين، فهم في الواقع لا يزالون في حيرة. فمن ناحية يقاسون كثيراً حتى الآن من القيود المفروضة على الحريات المدنية ونظرات الشك والريبة التي تحيط بهم في بعض الولايات الأميركية، ومن ناحية أخرى لا يزالون غير مقتنعين بالمرشح الديمقراطي المنافس - جون كيري. واتجه بعضهم إلى تأييد المرشح الثالث من أصل عربي - رالف نادر، ولكنهم يعرفون أيضاً أن هذا المرشح ليست له أية فرصة في الوصول إلى مكتب الرئاسة البيضاوي في البيت الأبيض. ورغم حيرة المسلمين الأميركيين هذه، فإن النتيجة المهمة لأحداث 11 سبتمبر هي اهتمام هؤلاء المسلمين المتزايد بالمشاركة في الحياة السياسية الأميركية للدفاع عن حقوقهم ومواجهة أي تحيز ضد عقيدتهم الإسلامية. ولذلك قام تحالف كبير يضم العدد الأكبر من المنظمات الإسلامية الأميركية، ومن بينها مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير)، والتحالف المسلم الأميركي، والحلقة الإسلامية لشمال أميركا، والتجمع الإسلامي لشمال أميركا، والجمعية الإسلامية الأميركية، ومجلس الشؤون العامة الإسلامية، واتحاد الطلبة المسلمين، ومشروع الأمل الإسلامي. وفي الواقع فإن بعض هذه المنظمات لا يقتصر على الولايات المتحدة فقط بل يتعداها ويأتي من كندا.
في المنطقة العربية كانت أصداء الذكرى الثالثة لأحداث 11 سبتمبر مختلفة جداً، فالمشاهد العربي لا يرى في العراق إلا شلالات الدم والأعداد المتزايدة من القتلى والجرحى - خاصة بين المدنيين العراقيين- بحيث إن العراق أصبح امتداداً واضحاً لما يحدث في أفغانستان وفي فلسطين. وهكذا أصبحت أحداث 11 سبتمبر سنة 2001 تعادل رخصة مفتوحة للقتل الجماعي في المنطقة العربية، وذريعة لإرضاء التعطش للدماء عند المحافظين الجدد الذين لا يزالون يحكمون في واشنطن، وهكذا أصبحت السنوات الثلاث منذ سبتمبر 2001 تعادل سياسة الترويع في أوضح صورها. وقد لخصت جريدة "الوفد" المصرية الوضع الناتج بطريقة غاية في الدقة.
وفي الواقع فإن هذا يثير السؤال المهم الذي يردده كثير من الأميركيين بعد ثلاث سنوات من الهجوم الإرهابي ضد نيويورك وواشنطن. هذا السؤال هو: هل نجحت الاستراتيجية الأميركية النشطة في مجال مكافحة الإرهاب الدولي وزيادة الأمن الداخلي للولايات المتحدة؟ هل تم القضاء على منظمة "القاعدة" أم لا؟ وكيف نفسر زيادة الأعمال الإرهابية في أجزاء كثيرة من العالم -أسبانيا، أندونيسيا، السعودية- وظهور منظمات جديدة لا ترتبط بأسامة بن لادن بأي رباط تنظيمي؟ وهل تستطيع واشنطن الاستمرار في هذه النفقات باسم مكافحة الإرهاب، أم سيؤدي هذا الاستنزاف في النهاية إلى تدهور القوة والهيمنة الأميركيتين؟ تمثل هذه الأسئلة الرئيسية معياراً لتفسير الحاضر... والمستقبل أيضاً.