"كن واقعياً واطلب المستحيل". كان ذلك عنوان افتتاحية الملحق الخاص بـ"ندوة البحث العلمي والتطوير التكنولوجي في العالم العربي"، في ندوة "المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا" عام 2002 في مدينة الشارقة. كانت طبول الحرب المقبلة على العراق تتعالى، وبدت الافتتاحية كفيزياء "الكوانتوم" أقرب ما يمكن من الواقع. وكان كاتب هذه السطور، الذي أعدّ الافتتاحية ينصت لنبض قلب الندوة، التي شهدت أول حوار بين العلماء العرب الأميركيين. ساهم في الحوار مستشار وزير الخارجية الأميركي للعلوم والتكنولوجيا، وعلماء عرب وأميركيون مرموقون، بينهم أعضاء في أكاديمية العلوم القومية للولايات المتحدة، ووزراء البحث العلمي ورؤساء ومسؤولو مؤسسات ومنظمات علمية عربية ودولية، كـ"اليونسكو"، و"ألكسو"، وأكاديمية علوم العالم الثالث، والاتحاد العالمي للبيولوجيا. وتعرّف المجتمع العلمي العربي والعالمي خلال الندوة لأول مرة على عمل العراقيين في إدامة البحث العلمي والتطوير التكنولوجي في ظروف الحصار وتحت التهديد اليومي بالحرب والعدوان.
"كن واقعياً واطلب المستحيل" ينبض اليوم كفيزياء "الكوانتوم" بقلب المجتمع العلمي العراقي بعد عام ونصف من حرب مجرمة أدّت إلى نهب وهدم هياكل العلوم والتكنولوجيا، وأسر واغتيال وتشريد مئات العلماء والمهندسين والأطباء. وهذا ما يميز علماء الداخل الواقعيين عن الموهومين القادمين من الخارج على متن الدبابات الأميركية والبريطانية. يكشف عن ذلك تقرير من نحو ألفي كلمة نشرته أخيراً صحيفة "نيويورك تايمز" تحت عنوان "في العراق سعي إلى إعادة بناء صرح آخر مهدّم: العلوم". يُستهل التقرير بمشهد داخل مختبر الهندسة الكيماوية في جامعة بغداد، حيث مروحة عتيقة تصلصل في النافذة، فيما تنبعث أبخرة كيماوية من مصاطب ورفوف عفنة تصطف فوقها أنابيب اختبار. طالبة الدراسات العليا فريدة ياسين "تتابع، وهي تتصبب عرقاً في قيظ الظهيرة تجربة على مادة بنزين وهكسين، تتقطّر قطرة قطرة قطرة". ويُختتم التقرير بشكوى الآنسة ياسين من عجز الأساتذة عن مساعدة الطلاب، الذين يبحثون بأنفسهم في سوق باب المعظم عن مواد كيماوية لتجاربهم، ويدفعون أثمانها من جيوبهم.


هذا هو الحال في جامعة بغداد، أكثر مؤسسات التعليم العالي احتراماً في العراق، حسب الصحيفة الأميركية. والمختبر الذي يجري الحديث عنه يعود إلى أشهر عالم عراقي في الخارج، هو الدكتور حسين الشهرستاني، الذي حولته أجهزة الإعلام "الأنغجلوأميركية" إلى أسطورة النضال ضد النظام السابق، واستخدمته طوال 13 عاماً شاهداً رئيسياً على امتلاك العراق لأجهزة الدمار الشامل، وفي ديسمبر الماضي ساعدته الجمعية الملكية البريطانية والأكاديمية القومية للعلوم في الولايات المتحدة على تأسيس "أكاديمية العلوم العراقية"، وفي مارس الماضي ترّدد اسمه كمرشح لمنصب رئيس وزراء العراق. واليوم ليس هناك أسوأ حالاً من مختبر الشهرستاني سوى أكاديميته. بعد مرور أكثر من عشرة شهور على تأسيسها لا يزيد عدد أعضائها عن 16، نصفهم أجانب، ولا يوجد إلى حد الآن مقر لها. سلطات بلدية بغداد وعدت بتوفير بناية لها من ثلاثة طوابق في شارع حيفا، إذا أفلح المسؤولون عن الأكاديمية في جمع المال اللازم لتجديد البناية، التي نُهبت ودُمّرت هياكلها الداخلية خلال الحرب. وقبل أن تتحرك الأكاديمية لجمع المال أعطت السلطات المحلية البناية إلى اللجنة الأولمبية العراقية، التي تملك مقراً، لكنها تريد بناية مستقلة للمتحف الرياضي العراقي. وهذه، حسب الشهرستاني مؤامرة تواطأت فيها الدائرة العقارية ورئيس اللجنة الأولمبية أحمد السامرائي. تدّخل في الموضوع مسؤول أميركي رفيع المستوى اسمه "ستيوارت شفارستاين"، بذل جهوداّ كبيرة لتأمين بناية أخرى للأكاديمية من بين مئات المباني العائدة للدولة في بغداد، وتسيطر عليها سلطات الاحتلال. وبعد اختيار البناية المناسبة والانتهاء من الإجراءات الروتينية لتحويل ملكيتها إلى الأكاديمية ظهر أنها تعود إلى مالك عراقي، ادّعى أن النظام السابق استحوذ عليها بشكل غير قانوني.


وضاعت فرصة أخرى على تأمين مقر للأكاديمية، والأسف شديد على ضياع أي مسعى لخير العلماء العراقيين. لكن المناسبة تسمح بالضحك على مع، حسب التعبير الإنجليزي "at with"، وكنا ضحكنا هنا سابقاً على مع النزعة الطائفية للأكاديمية وتأسيسها في لندن، عاصمة الدولة المتورطة بحرب العراق. تساعد على ذلك نكتة من مسلسل دعابات الأكراد العراقيين عن أحدهم ذهب لتعزية أصدقائه بموت رب الأسرة، وسألهم بعد الإعلان عن أسفه الشديد:"يعني ماكو أمل يرجع المرحوم"؟ "ماكو" تعني بالعربية الفصحى لا يوجد. وهل "أكو" أمل في إيجاد بناية للأكاديمية، إذا كان "ستيوارت شفارستاين" نفسه فشل في ذلك؟ شفارستاين "ماكو" أعلى منه في مؤسسة العلوم والتكنولوجيا في العراق المحتل، فهو مسؤول أميركي يهودي في سفارة الولايات المتحدة يحتل منصب مستشار وزارة ال