لا يحتاج المواطن إلى أن نقول له ماذا قدمت له دولة الاتحاد، فهو بالتأكيد يملك ذاكرة حية تحتفظ بالتفاصيل، أو بصور قديمة لأهله وبلده، وإذا عاش فترة السبعينيات أو الثمانينيات فهو يتذكر كيف كانت الحياة، وكيف تغير الحال ودرجة هذا التحول مقارنة بواقع مجتمعات ودول أخرى مر بها أو سمع عنها أكثر خبرات وتجارب وثراءً ومزايا استراتيجية وكثافة بشرية وسكنتها حضارات قديمة. وإذا كان هذا المواطن ينتمي للجيل الجديد ولم يدقق في ملامح صور الوطن قديماً ويقارن، أو كان من المتشككين في عظمة هذا الإنجاز وإعجاز العمل الذي قام ولا يزال يكبر ويقوى، فعليه فقط أن ينزل إلى الشارع، يستوقف العابرين أياً كانت هوياتهم ولهجاتهم، يسألهم: ما رأيكم في هذه الدولة التي تعيشون فيها؟ سيقولون له بلغاتهم المختلفة قيمة هذا المكان الذي يعيشون فيه وأهمية الذي فقدوه هناك ووجدوه هنا، وجعلهم يختارون هذا البلد مستقراً مؤقتاً، أو بديلاً لا يتمنون مغادرته يوماً. سيحدثونه عن نعمة الأمن والاستقرار. عن قيمة العدالة واحترام النظام، عن حرية الشخص ما دام يلتزم بالقانون ولا يضر غيره. عن معنى احترام الإنسان للآخر، وكيف هي الطيبة، وأخلاقيات الكرم والنخوة وروح الترحيب بالجميع. سيحدثونه عن سهولة التجارة، وتطور الإدارة، ويسر أن تتعلم وتمتلك أحدث التقنيات... عن حياة الرخاء، ومزايا توفير السكن والصحة والشوارع النظيفة وديمومة الكهرباء والمياه الصالحة للاستهلاك والنظافة والأسواق المفتوحة ومنظر الحدائق النضرة والمعتنى بها جيداً في كل الأحياء .عن آية بسيطة لا نشعر بها كثيراً مثل توافر الخبز وأنواع الخضراوات في غير مواسمها. سيخبرونه عن نعمة لا يقدّر قيمتها إلا من افتقدها، وهي أن يكون عندهم حكام يرونهم كل يوم، يزورونهم متى ما احتاجوا ذلك، حكام على غير نمط «الزعماء» الذين عرفتهم وابتليت بهم الشعوب العربية في أزمنتها الطويلة وذاقت منهم درجات المرارة والكبت والنهب وألوان الديكتاتورية وويلات المصائب. حكامنا يبادرون ويَصلون مواطنيهم ويسمعون منهم، صبحهم وليلهم في لقاءات وزيارات وعمل من أجل الدولة وصالح المجتمع وإنسان هذا الوطن، ألغوا بينهم وبين شعبهم الحواجز ومناظر المواكب والحراسات والشوارع المغلقة والقصور المسورة بالأسلاك والحديد ولافتات ممنوع الاقتراب. رئيس دولة يأمر بتحريك طائرة مجهزة طبياً بشكل عاجل لأن مواطناً أصيب في حادث سير أو يرسل فريقَ إنقاذ لأن أُسرةً فُقدت في مكان ما أو حاصرتها السيول. عن حاكم يشارك شعبه أحزانهم ومناسباتهم السعيدة، تجده بينهم في خيام العزاء، يزورهم في مجالس أفراحهم، وهو قريب منهم في جميع حالاتهم ومستوياتهم. عن حاكم يسمع من الإذاعة شكوى مواطنة فيعاجل الاتصال بها على الهواء، يحل أزمتها ويفرج كرب غيرها، ويفتح خطاً هاتفياً بينه وبين مجتمعه يريد أن يسمع حاجاتهم وقضاياهم مباشرة. عن ولي عهد يشاهد في التلفزيون مثل كل الناس امرأة عجوزاً تتحدث وتقول إنها تريد أن تراه، فيذهب إليها، يزورها ويحقق لها مرادها. سيقولون له عن أشياء، وأشياء كثيرة حرموا منها في بلدانهم. أولئك الذين لا يعرفون كيف كانت الإمارات قديماً، وكيف هو الاتحاد نعمة لها ولإنسان هذه الأرض، عليهم أن يتأملوا الواقع الذي كانت تعيشه بلدان العرب الأخرى والحال الذي كنا عليه هنا. شاهدوا القاهرة أو مدينة بيروت في أفلام الأربعينيات والخمسينيات والنعيم الذي كانت تعيشه تلك العواصم ومناظر المدن ورفاهية الحياة فيها آنذاك، وقارنوا كيف كانت الإمارات خلال تلك المرحلة. تأملوا اللقطة القديمة التي تتداول على الوسائط، تجمع بين منظر سوق صنعاء في الستينيات وعلامات العز الذي كانت تعيشه في مظهر البنيان والسيارات وحركة الناس وملابسهم، وبين صورة سوق أبوظبي الذي لا تلمح فيها سوى بنيان متهالك ودكاكين متواضعة وبضائع مفروشة على الأرض. تذكروا حياة بيت «العريش» وتلفزيون الأبيض والأسود الذي كان يشتغل ببطارية السيارة، يسلي ويجمع حياً بأكمله، أو رفاهية الثلاجة التي لا يملكها إلا كبار القوم، و«الطوي » بمكائنها البدائية والتي كانت تسقي الزرع والفريج معاً، أو المستشفى الوحيد في دبي والذي كانت تتزاحم في ممراته الضيقة جموع الحضر وأهل البادية وسكان «السيوح». تذكروا متى شقت أول طريق بالدولة ورصفت بالإسفلت، ومتى بنيت أول «شعبية»، ومتى انتشرت المدارس في مدن الدولة. تذكروا أن أول جامعة عندنا تأسست في عام 1976. كل ذلك كان في مرحلة السبعينيات، في الوقت الذي كانت فيه المملكة العربية السعودية تحتفل بمرور ما يقارب ربع قرن على افتتاح أول جامعة فيها، أو الكويت التي عرفت أول مستشفى بها بداية الأربعينيات. تذكروا كيف كنا نعاني شظف العيش في مختلف شؤون حياتنا، وكيف كانت الإمارات مجرد صحراء ممتدة وبحر واسع وهامات جبال شامخة قاسية ورجال ونساء عندهم الحلم والأمل. هذا المجد الشامخ الذي وصلناه، والحياة المستقرة والمزدهرة حالياً، ما كانا ليتحققا لولا الاتحاد، ولولا أولئك الرجال: زايد وراشد وإخوانهما وأولادهما. لولا إخلاصهم وإيمانهم ومحبتهم لأهلهم ووطنهم، لولا عملهم ومحافظتهم على هذا البيت الحلم، فكم من رياح وأخطار ومنغصات عصفت بهذا الاتحاد في بداياته، لكنهم حموا وطنهم ورفعوا شأنه وحافظوا على الاتحاد. بعد 41 عاماً من الحياة في ظل الاتحاد، ونعيم العيش والاستقرار في ظل دولة كبيرة بعطاياها وإنجازاتها واعتزازها وثقتها بإنسانها، على هذا الجيل- تحديداً- أن يسأل نفسه: ماذا قدّم هو للاتحاد، لدولة الإمارات العربية المتحدة؟ هل أحبها بصدق؟ هل أخلص لها؟ هل يمكنه أن يدافع عنها ويحميها؟ وقبل ذلك ما هو تعريف حب الأوطان، وكيف يتم التعبير عنه؟ وكيف تتضح حقيقة هذا الولاء؟ وبماذا يُختبر الوفاء؟ ومتى يحتاج الوطن لأبنائه؟ وهل يمكن لإنسان وفرت له الأقدار مثل هذا الوطن أن يبيعه برخص أو حتى يساوم عليه؟ هل يمكن أن تغلبه وسوسة الشيطان أو شياطين الأنس ويفرط ويخون عهد الولاء؟ وهل يمكن أن يتلون ويتلوث، ويضر أهله وبلده، ويحارب مجتمعه؟ علينا أن نربّي أولادنا أن لهم حقوقاً ومزايا، لكن عليهم كذلك واجبات تجاه هذا الوطن، وأن دولة الاتحاد أمانة سنحاسب عليها جميعاً.