أتت ثورة مصر وقبلها ومعها ثورتا تونس واليمن وبعد هذه جميعاً ثورة سوريا، لتدلل على أن ظاهرة «الربيع العربي» ليست حالة بررت بكيفية طارئة وأنها، من ثم، معرضة للزوال، فهي - والحال كذلك - بمثابة تنفيس لأزمة محتقنة وذات عمر يعود إلى أربعة عقود، ونيف، فحالُها كحال الهبة التي اجتاحت تونس ومصر قبل عقود. هكذا تم تلخيص نُظم الاستبداد في العالم العربي، ما كان بدأ يعتمل في بنية أنظمة استبدادية، إنه حالة من جنوح الفئات والمجموعات الاجتماعية الرثة في قاع مجتمعه (المصري)، ولكن ذلك الوضع الآخذ في التعاظم والذي وصل - مع غيره في البلدان العربية المأتي على ذكرها - إلى ما نحن فيه راهناً تحت اسم ما يمكن أن نطلق عليه «ثورة» أو «انتفاضة»، فجاء إعلام البلد العربي المعني - وهو هنا خصوصاً ليبيا - حين تحدث القذافي زعيمها السابق عن شعبه المنتفض على أنه الشعب المهووس والمصاب بالإدمان على الموبقات من طرف، وحين تحدث ويتحدث إعلام النظام السوري عن الثورة السورية بأنها «مؤامرة كونية خارجية»، تتم بأيدي «عصابات مسلحة موزعة بين «السلفيين والجهاديين» من طرف آخر». على ذلك النحو، ظهرت الثورات أو الانتفاضات في البلدان العربية المذكورة بمثابتها «جريمة» أو «مؤامرة» أو «فاعل إرهابي»، لم يكن ذلك مفاجئاً، بل جاء لتغطية الإيديولوجيا الزائفة والفاسدة، التي تحتمي وراءها تلك البلدان العربية، مع الإشارة إلى أن النظام السوري خصوصاً ربط الثورة الداخلية باستراتيجية إسرائيلية مضادة لـ«المقاومة الوطنية» ضد العدوان الإسرائيلي، بالرغم من أن النظام المذكور المحاذي لإسرائيل حدودياً لم يطلق على إسرائيل رصاصة واحدة على امتداد ما يتجاوز الأربعين عاماً. وثمة ملاحظة مهمة تتمثل في أن نظم الفساد والإفساد والاستبداد العربية حين وصلت إلى السلطة، كان اعتقادها جازماً بأن من يرغب بعد ذلك في الوصول إلى السلطة، فعليه أن يأتي عن طريق القوة الإرهابية العسكرية، كما فعل أولئك في البدء. ولم يعد شأن السلطة - حسب هؤلاء - وارداً، لأنه وصل إلى مسك الختام، والقاعدة المتصلة بهذا الأخير أصبحت ذات بُعد واحد إطلاقي يتمثل في «مقولة الأبد» هذه المقولة التي صرح بها النظام الأمني السوري علناً، حين تحدث عن «إلى الأبد أيها الزعيم، أيها القائد»، فإذا كان الأمر قد أصبح على ذلك النحو، فكيف يجرؤ «العامة من الشعب» على المطالبة بإسقاط «الأبدية السلطوية»، وبفتح التاريخ السوري تخصيصاً على المبدأ الديمقراطي الحاسم، مبدأ التداول السلمي للسلطة؟!