يعتبر هدف خفض وفيات الأطفال، أو بالتحديد من هم دون سن الخامسة، من الأهداف التي حققت فيها العلوم الطبية الحديثة، وسياسات الصحة العامة الدولية، إنجازاً هائلاً بجميع المقاييس، وفي غضون سنوات قليلة. ففي عام 1990 بلغت وفيات من هم دون الخامسة 12,4 مليون طفل، لتنخفض بحلول عام 2009 إلى 8,1 مليون، ثم إلى 7,6 مليون بحلول عام 2010، ثم إلى 6,9 مليون العام الماضي. ولكن على رغم هذا الانخفاض الهائل في غضون اثنين وعشرين عاماً فقط، وبمقدار 5,5 مليون، من 12,4 مليون ليصل 6,9 مليون، إلا أن وفاة ما يقرب من سبعة ملايين طفل سنوياً لا تزال تعتبر مأساة إنسانية فادحة. بل يعتقد كثيرون أن عدد الأطفال دون سن الخامسة الذين يلقون حتفهم سنوياً، هو أكبر من تلك الملايين السبعة الذين تسجلهم الإحصائيات والدراسات، نتيجة كون عدد لا يستهان به من الآباء والأمهات في الدول الفقيرة، لا يملكون السبل أو الإمكانيات لتسجيل أبنائهم في السجلات الرسمية عند ولادتهم، أو عند وفاتهم. والمؤسف أن السواد الأعظم من هذه الوفيات، وبالتحديد الثلثين، من الممكن الوقاية منه وتجنبه، من خلال تدخلات بسيطة تقنياً، وزهيدة الثمن، وثابتة فعاليتها بالأدلة العلمية، مثل التطعيمات الطبية، والمضادات الحيوية، والمكملات الغذائية، والناموسيات المعالجة بالمبيدات الحشرية، والرعاية الصحية الأولية، والرضاعة الطبيعية، واستخدام محاليل معالجة الجفاف الناتج عن أمراض الإسهال. وحتى إجراءات تمكين المرأة كعضو فاعل في المجتمع، من شأنها أن تخفض الوفيات بين الأطفال والرضع، بالإضافة إلى تفعيل السياسات المعنية بإزالة العوائق المالية والاجتماعية للحصول على الخدمات الأساسية، ودعم وتطوير الابتكار الهادف إلى توفير الخدمات الصحية الضرورية للفقراء، وزيادة شفافية ومسؤولية النظم الصحية بهدف تحقيق الإنصاف والعدل الصحي، وخفض الوفيات. وحسب منظمة اليونيسيف، يقع الجزء الأكبر من مسؤولية وفيات الأطفال في مختلف دول العالم -وبالتحديد 70 في المئة في الدول النامية والفقيرة- على خمسة أسباب رئيسية، وهي: العدوى التنفسية الحادة، وأمراض الإسهال، والحصبة، والملاريا، وسوء التغذية. وإذا ما قصرنا الحديث على الأطفال حديثي الولادة، فسنجد أن الولادة المبكرة تعتبر السبب الرئيس في الوفيات بين هذه الفئة العمرية، متسببة في أكثر من مليون وفاة، كان من الممكن أيضاً تجنب 75 في المئة منها بالاعتماد على وسائل وإجراءات بسيطة تقنية، وغير مكلفة مالياً. وهو ما يعتبر الهدف الأساسي والفكرة الرئيسية للفعاليات التي تطلق سنوياً في يوم الولادات المبكرة (World Prematurity Day) الذي يحل كل عام في السابع عشر من شهر نوفمبر. حيث يجسد هذا اليوم بفعالياته، المجهود الدولي الرامي لزيادة الوعي بالمخاطر الناتجة عن الولادة المبكرة، من وفيات وإعاقات مدى الحياة، وكيف يمكن تجنب غالبيتها. ومن المنظور الطبي تعرف الولادة المبكرة على أنها حالات الولادة التي تتم قبل إتمام سبعة وثلاثين أسبوعاً من الحمل، على أساس أن الحمل الطبيعي يستمر فترة أربعين أسبوعاً. وعلى عكس ما يعتقد كثيرون تنتشر حالات الولادة المبكرة بشكل كبير، ففي الولايات المتحدة مثلًا يولد 12 في المئة من الأطفال، أو واحد من كل ثمانية، قبل إتمام فترة الحمل الكاملة. وهو ما يترجم إلى أكثر من نصف مليون حالة ولادة مبكرة في العام الواحد. وتكمن مشكلة الولادة المبكرة في أنه كلما قصرت فترة الحمل، كلما زادت مخاطر تعرض المولود الجديد للعديد من المضاعفات والمشاكل الصحية الخطيرة، مثل الشلل المخي، وأمراض الرئتين المزمنة، ومشاكل الجهاز الهضمي، بالإضافة إلى التخلف العقلي وفقدان السمع والبصر. وهذه المشاكل الصحية تظهر نفسها بشكل جلي، من خلال الارتفاع الواضح في معدلات الوفيات خلال العام الأول بين هؤلاء الأطفال، المعروفين باسم الأطفال الخدج. وعلى رغم أن كثيراً من عوامل الخطر التي تسبب نهاية الحمل بشكل مبكر هي عوامل معروفة وموثقة، فإن قرابة نصف الحالات تحدث دون سبب واضح خلفها. ولا تقتصر تبعات الولادة المبكرة على الثمن الإنساني المتمثل في الوفيات والإعاقات، بل تتسبب أيضاً في ثمن اقتصادي فادح هو الآخر. حيث تشير مثلاً التقديرات الصادرة عن الولايات المتحدة إلى أن رعاية الأطفال المبتسرين خلال الشهور الأولى من حياتهم تعتبر من أهم البنود التي تستنزف ميزانيات الرعاية الصحية، وذلك دون الأخذ في الاعتبار تكلفة الرعاية طويلة الأجل، إذا ما أصيبوا بمضاعفات صحية مزمنة أو إعاقات بدنية أو عقلية. فعلى سبيل المثال، تبلغ رعاية المولود الجديد خلال الأيام الأولى من حياته حوالي ألف دولار، إذا ولد بوزن أكثر من ثلاثة كيلوجرامات، ولكن إذا ما ولد الطفل بوزن يتراوح ما بين 500 و 700 جرام، فإن تكلفة رعايته ترتفع حينها إلى 225 ألف دولار. وبوجه عام، ترتفع تكلفة رعاية الأطفال المبتسرين كلما قصرت فترة الحمل، أو نقص الوزن عند الولادة. ويتوقع الأطباء أن تشهد هذه التكلفة، وما ينتج عنها من عبء يثقل كاهل نظم الرعاية الصحية، زيادة مستمرة، بسبب الزيادة الملاحظة في عدد الأطفال الذين أصبحوا يولدون مبتسرين.