كانت مجريات وتداعيات الحرب على غزة (2012)، أقلّ سوءاً بما لا يُقاسُ من مجريات ونتائج حرب عام 2008/2009. فالخسائر البشرية أقل بكثير، والإسرائيليون بدوا أقل قدرةً على الإفادة والمتابعة، والغربيون بدوا أكثر حرصاً على إيقاف الحرب بأي ثمن. وظل العنصر السلبي الرئيسي متمثلاً في أن إيران هي التي دفعت باتجاه الحرب مثلما حدث أواخر عام 2008. إذ في عام 2008، وبحجة انتهاء مدة الهدنة بين إسرائيل و"حماس"، أمطر الحماسيون والتنظيمات الأخرى العدو الصهيوني بصواريخ "جراد"، هادفين هم وإيران إلى تكرار ما حدث بين "حزب الله" وإسرائيل عام 2006. وقد تحقق للإيرانيين والحماسيين ما أرادوا آنذاك، رغم الخسائر الهائلة التي لا تعني شيئاً بمقاييس أهل المقاومة والممانعة، وإلا فليقولوا لنا لماذا يقاتلون مع الأسد بسوريا ضد الشعب السوري الثائر، والذي فقد حتى اليوم أكثر من خمسين ألف قتيل! لقد تحقق لإيران آنذاك الاستيلاء على راية فلسطين من غزة ومن لبنان، ومحاصرة مصر، والسير قُدُماً في الاستيلاء على لبنان بعد العراق. كانت حرب غزة هذه المرة إذن أقل سوءاً وتداعيات. وإذا كانت سلبيتُها الرئيسية لاتزال أن إيران هي التي أثارتها، عام 2008/2009 عن طريق "حماس"، وعام 2012 عن طريق تنظيم "الجهاد الإسلامي"، فإن الإيجابية الرئيسية أن مصر كانت حاضرةً هذه المرة، وأن العرب -عبر الجامعة – كانوا حاضرين. فمصر وبطلبٍ إسرائيلي و"حماسي" وأميركي، ومن الأمم المتحدة أيضاً، توسطت لوقف النار. والعرب اجتمعوا بالجامعة، وأعلنوا دعمهم لغزة، وذهب وزراء الخارجية العرب ووزير الخارجية التركي، وأمين عام الجامعة إلى غزة. والأهم والبارز أن العرب، أيدوا ذهاب السلطة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة في 29/11/2012 للحصول على وضع دولة غير عضو بالمنظمة الدولية، وأن "حماس"، على لسان مشعل، قالت بذلك أيضاً، وأعلنت عن الاستمرار في سياسة المصالحة الفلسطينية. والمندوبة الأميركية قالت بمجلس الأمن إنه لا تقدم في حل المشكلة إلا عن طريق الدولتين. في عام 2008 كانت إيران تتابع سياساتها في شن حروب بالواسطة من أجل السيطرة في المنطقة العربية: حرب عام 2006 أدت إلى استيلائهم بالتدريج، عبر "حزب الله"، على لبنان، وحرب عام 2008/2009 من غزة أدت إلى استفراد التنظيمات التابعة لهم هناك لتكون شوكة في خاصرة مصر. ومشاركتهم للأميركيين في العراق منذ الغزو عام 2003، أدت إلى تسويدهم هناك من جانب الأميركيين وهم يخرجون عن طريق المالكي. ومن هذا الطريق أيضاً (أي مقاتلة العرب، ومهادنة الأميركيين: عدم التحرش بإسرائيل في مقابل مناطق النفوذ!) أعاد الأميركيون سفيرهم إلى سوريا عام 2010 بعد أن كانت إدارة بوش قد سحبته. إن العنصر الأول في تغير الموقف في المشرق العربي والخليج، كان الثورات العربية التي خلخلت، بل أنهت عهود وقيود المهادنة والابتزاز، وبخاصة في سوريا. والمقتلة الحاصلة منذ قرابة العامين في الشعب السوري، بمشاركة من سليماني والإيرانيين، والمالكي وبعض التنظيمات التابعة، و"حزب الله" والتنظيمات التابعة، هي التي أخرجت "حماس" من الاحتضان الإيراني الخانق، وهي التي غيرت الموقف الاستراتيجي بالمنطقة. كانت إيران تستخدم عواطف الشعوب العربية في مواجهة "الأنظمة" الصديقة للأميركيين والإسرائيليين، كما كانت تستخدم الحركات الإسلامية المعارضة للأنظمة، والأقليات الشيعية التي تمتلك بداخلها تنظيمات مسلحة أو غير مسلحة. وبالثورات العربية، وتغيُّر الموقف الاستراتيجي، خرج المتغيران الأولان: شعوب (تزعم إيران أنها معها) في مواجهة أنظمة، وحركات إسلامية تستخدمها إيران لإقلاق الأنظمة، ومساومة إسرائيل وأميركا. كان العنصر الأول في تغير الموقف هو الثورات، والعنصر الثاني هو حضور العرب عبر مجلس التعاون الخليجي، ثم مصر، ثم "الجماعة العربية" من خلال مؤسسة الجامعة. كان الأمير سعود الفيصل قد تحدث في مؤتمر القمة بسِرت الليبية عام 2010 عن "الخواء الاستراتيجي" الذي أتاح للإيرانيين التدخل والتقسيم والفِتَن والاستيلاء على الراية الفلسطينية. وقامت الثورات عام 2011، وحاول الإيرانيون ولايزالون تخريبها، فحمى الخليجيون حِماهُم بالتدخل الضامن للاستقرار في البحرين واليمن، وساعدوا في ليبيا بإسقاط القذافي، وهم يساعدون في سوريا لإسقاط الأسد. وفي كل مكان من ديار العرب؛ كانوا ولايزالون مضطرين لمواجهة إيران والمتعاونين معها. لقد حدث الفرقُ بعد الثورات لجهتي إيران وإسرائيل. لجهة إيران انطلق الصراع ضد تدخلها في اليمن والبحرين وسوريا ولبنان وفلسطين. ولجهة إسرائيل ليس في غزة وحسْب؛ بل وفي حمل العرب للراية الفلسطينية من خلال مصر والجامعة، بما في ذلك احتضان "حماس"، ومن خلال إعادة توجيه القضية الفلسطينية باتجاه المجتمع الدولي والأمم المتحدة، وإمكان الوصول بالفعل لأفق الدولة الفلسطينية المستقلة، ولمؤتمر دولي للسلام. بالأمس تحركت "حماس" بعد وفاة مؤسسها أحمد ياسين، وعزلها بعد فوزها في انتخابات عام 2006، إلى الانقسام وإنشاء الدويلة في غزة، ومصارعة مصر لمصلحة سلطة هزيلة، وولاية الولي الفقيه. واليوم -ورغم الفخّ الإيراني- تعلن "حماس" الخروج على الأسد، وعلى الانقسامية الإيرانية، والانضواء في المصالحة الفلسطينية، تحت رعاية مصر الجديدة. فما تغيرت "حماس" أو ما أُرغمت على ذلك إلا لأن العرب تغيرت رؤيتهم إلى العناية بشأنهم، وإلى الحضور بدلاً من استمرار الخواء والفراغ. تخرج إيران من الشأن العربي. ونمضي بتحويل الإمكانيات العربية إلى قدرات مع المجتمع الدولي لمواجهة التعجرف الإسرائيلي، ومواجهة الاستضعاف الأميركي. وتعمل شعوب الثورات العربية على إقامة مجتمعات سياسية عصية على الاختراق والاستخدام. هناك إذن واقع جديد يجلب معه فُرَصاً جديدة. ومن الفُرَص أو أهمها: السير الحثيث والمستقيم أخيراً نحو حل عادل وشامل في فلسطين. وتبقى هناك مخاطر، وهي عديدة وقوية: هناك التعجرف الإسرائيلي والتعود على الغياب العربي، وعلى "التعقل" الإيراني وممارسات التحرش والابتزاز، فهل يمكن إعادة اليمين الإسرائيلي إلى حل الدولتين؟! وهناك التدخل الإيراني الذي اعتقد الإيرانيون أنه مفيد لهم كثيراً في نشر النفوذ، وفي تبادل الأوراق مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل، وفي استخدام الجماعات المسلحة الشيعية والسنية لتخريب الوحدات الداخلية، والتخريب على الحلول الممكنة في فلسطين وغيرها. وهناك "القبضة الناعمة" لأوباما، والتي تميل للمساومة على حقوق الآخرين، بينما كانت إدارة بوش تعتمد الحرب للاستيلاء على حقوق الآخرين! وهناك أخيراً وليس آخِراً التفاوتات الباقية في التكتيكات العربية بشأن فلسطين وسوريا ولبنان والأردن.. إلخ. وهي تكتيكات إن كانت مبررة في حقبة ماضية فهي ليست كذلك الآن. إنه زمن جديد. وهي فرصة تاريخية للخروج من مستنقع القضية إلى أُفُق الدولة، ليس في فلسطين فقط، بل وفي سائر بلدان الثورات العربية.