تماثل حملة الحوار العام الدائر في الأوساط السياسية الأميركية، حول ما يجب فعله في العراق، تصوراً خيالياً بتصور خيالي آخر. فلكلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، قصته وتصوره عما سيقوم به حيال العراق، ولكل منهما بالطبع ما يقلقه إزاء الواقع الفعلي هناك، مع العلم بأن العراق، لم يشعر بهذه الحاجة الماسة للأمن والاستقرار، مثلما يشعر بها اليوم. وكما نعلم، فإن كلا الحزبين يعِد بجعل العراق أكثر أمناً واستقراراً، كي يتسنى تنفيذ برامج إعادة البناء بعيدة المدى، في الجانبين الاقتصادي والسياسي. ولكن الحقيقة التي لابد من الجهر بها، هي أن أكبر زعزعة لأمن العراق واستقراره، بدأت بشن الحرب عليه، وأن هذه الحالة ماضية نحو الأسوأ باطراد. فقد أفلتت من السيطرة تماماً، أعمال العنف والهجمات التي تشن ضد قوات التحالف الدولي والقوات الأميركية. وكذلك تتعرض خطوط وأنابيب النفط للهجمات المستمرة والمتتالية. وتحول جزء مهم من العراق، إلى أرض محرمة على الجنود الأميركيين، بما في ذلك قسم مهم من طرق المرور السريع، ذات الأهمية القصوى لإمدادات الجنود الأميركيين وقوات التحالف الدولي، فضلا عن أهميتها بالنسبة للاقتصاد العراقي نفسه. وما التصاعد الأخير في أحداث العنف والهجمات، إلا نتيجة للمحاولات العسكرية القريبة، التي رمت إلى استعادة السيطرة على مدينة الفلوجة مجدداً.
وبهذا المعنى، فإنه يمكن القول إن القوات الأميركية، تعيش تحت حصار المقاتلين العراقيين. ولتحرير هذه المدن والطرق الرئيسية من سيطرة المقاتلين المذكورين، فإن ذلك يتطلب خوض أشرس حروب المدن، وأكثرها عنفاً ودموية. وهذا ما يفسر استراتيجية القصف الجوي الحالي، لمخابئ "الإرهابيين" وملاجئهم في المدن والمناطق السكنية، على نحو ما نرى ونسمع الآن. وأيا كانت دقة وموثوقية المعلومات الاستخباراتية التي يقرر على أساسها شن مثل هذه الهجمات، فإن الحقيقة هي أن أي هجوم جوي على مواقع سكنية داخل المدن، يسفر لا محالة، عن سقوط ضحايا مدنيين، لا جرم لهم ولا دخل، في المواجهات الدائرة بين الطرفين المتقاتلين.
ثم إن مثل هذه الهجمات، تثير حنق العراقيين وسخطهم على قوات التحالف الدولي، بقدر ما تثير المشاعر ذاتها على الصعيدين الإقليمي والدولي. صحيح أن الصحف وأجهزة الإعلام الأميركية، تواجه ضغوطاً وقيوداً فيما يتعلق بنشرها الأرقام الحقيقية لضحايا الهجمات والغارات الجوية على المواقع المدنية هناك. بيد أن صورة السياسات الأميركية المتبعة حالياً في العراق، إنما هي صورة الدولة الفظة، عديمة الرحمة، التي لا تأبه مطلقاً لحياة المدنيين وسلامتهم. ففي يوم السبت الماضي، نشرت صحيفة "فاينانشيال تايمز" اللندنية المؤيدة للولايات المتحدة الأميركية، تقريراً عن الضحايا المدنيين، قدرت فيه عددهم بحوالي 30 ألفاً، منذ بدء الحملة العسكرية لتحرير العراق. لكن في اليوم التالي مباشرة لذلك التقرير، جرى قتل 35 من المدنيين، وقد صرع معظمهم نتيجة لغارات جوية، شنتها الطائرات العمودية المقاتلة، على عدة مواقع مدنية هناك. أما في يوم الاثنين الذي تلاه، فقد لقي 15 مواطناً من العراقيين مصرعهم ، جراء هجمات شنتها وحدات المدفعية وسلاح الطيران على مدينة الفلوجة. وفي الثلاثاء الماضي، أسقط هجوم شنه المقاتلون، مستخدمين فيه الشاحنات الملغومة، حوالي 59 مدنياً على أقل تقدير.
ومن جانبها كتبت صحيفة "نيويورك تايمز"، عن الصعوبات الاستثنائية، التي تواجه القوات الأميركية، في محاولة سيطرتها على الأنحاء والأجزاء العراقية، التي تم التخلي عنها لـ"الإرهابيين" والمقاتلين، خلا ل الأشهر القليلة الماضية. ومضت الصحيفة إلى القول، إن هذه العمليات البالغة التكلفة، تحظى بموافقة رئيس الوزراء العراقي المؤقت، إياد علاوي. ولكن ماذا بوسع إياد علاوي أن يفعل، وهو الذي جرى ترشيحه من قبل الولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى العلاقات الطويلة التي تربطه بوكالة المخابرات المركزية الأميركية؟
يذكر أن الديمقراطيين في السابق، زعموا أنه سيكون في مقدور مرشحهم كيري، أن يحشد تحالفاً أوروبياً إلى جانب استقطابه دعم الأمم المتحدة لجهود إعادة إعمار العراق التي تقودها الولايات المتحدة، في حال فوزه بالانتخابات الرئاسية الجارية الآن. غير أن هذا الوعد بدا خيالياً وبعيداً اليوم عن الواقعية، أكثر مما بعُد بالأمس. أما إدارة بوش، فتؤكد عزمها على عقد انتخابات حرة ونزيهة في العراق، بحلول شهر يناير المقبل. هذا علاوة على وعدها بتوفير عدد كاف من الجنود العراقيين، الذين يتم تدريبهم على أسس أميركية، بحيث يستطيعون توفير الظروف الأمنية التي يتطلبها إجراء انتخابات حرة وديمقراطية في العراق. والآن فقد أصبح أمام بوش خياران لا ثالث لهما: إما أن يخسر العراق الذي قاد تدميره، أو أن يخسر أميركا التي زج بها إلى المأزق الذي هي فيه حالياً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خ