دفع الرئيس الأفغاني حامد كرزاي خلال زيارته التي دامت خمسة أيام إلى الهند في اتجاه زيادة الاستثمارات الهندية في بلاده مبرزاً رغبته في رؤية الهند تلعب دوراً أكثر نشاطاً في بلده الذي مزقته الحرب. الانخراط الهندي في بناء أفغانستان كان مضطرداً خلال العامين الأخيرين، وطوال العقد الأخير، أنفقت الهند أكثر من ملياري دولار على إنشاء البنية التحتية من طرق وخطوط كهرباء ومدارس. وحالياً يتم بناء برلمان جديد بمساعدة هندية، وعلى الجانب المتعلق بالاستثمار دائماً، استضافت الهند أيضاً مؤتمراً دولياً حول الاستثمار في أفغانستان في يونيو من هذا العام، كما حصل تكتل شركات هندي تقوده شركة القطاع الخاص «سيل» على حقوق تطوير مناجم حديد وإنشاء مصانع فولاذ وطاقة في صفقة من المتوقع أن تبلغ قيمتها 11 مليار دولار. ومع ذلك، بات واضحاً أن «كرزاي» يرى أنه يمكنه جذب الاستثمارات من واحد من أسرع الاقتصادات نمواً في آسيا إلى بلده. زيارة كرزاي، التي استهلها من مومباي، العاصمة المالية والقطب التجاري للهند، استهدفت جذب مزيد من شركات القطاع الخاص الهندية إلى أفغانستان. فأخذا في الاعتبار التقليص المرتقب في عديد القوات الأميركية وقوات «الناتو» بحلول 2014، يريد كرزاي أن يكون مستعداً لوقت يتولى فيه الأفغان تسيير شؤونهم بأنفسهم. ولذلك، فإنه يحاول جاهداً جذب الاستثمارات، بل ويعد ببسط «السجاد الأحمر» ترحيباً بالمستثمرين. غير أن الوضع الأمني غير المستقر في أفغانستان حتى الآن، يحول دون تدفق المستثمرين الأجانب على البلاد. والواقع أن الهند أيضاً تعتقد أن أفغانستان في حاجة إلى الابتعاد عن وضعها الحالي كمتلق للمساعدات إلى وضع يمكنها من جذب التجارة والاستثمارات. وبالطبع، فإن نيودلهي تدرك أن الوضع الأمني في أفغانستان ليس مثالياً لجذب الاستثمارات؛ ولكنها مازالت تعتقد أن الطريق الوحيد لإرساء الاستقرار في ذلك البلد يكمن في دفع الاقتصاد ومحاولة جذب الاستثمارات. ومن جانبها، تأمل أفغانستان أيضاً في العمل مع الهند وقوى إقليمية أخرى من أجل تحقيق «اندماج اقتصادي إقليمي» في وسط وجنوب آسيا وتدعو لفكرة «طريق حرير جديدة»، تدعمها في ذلك الولايات المتحدة. ويشمل ذلك بناء شبكة من الطرق والسكك الحديدية وخطوط أنابيب الغاز التي تربط وسط آسيا الغني بالموارد بأفغانستان وجنوب آسيا. والواقع أن الهند وأفغانستان كانت تجمعهما دائماً علاقة وثيقة؛ غير أنه بالأمس القريب تكثفت الجهود الرامية إلى زيادة مستوى انخراط الهند وعدم بقائه مقتصراً على المجال الاقتصادي فقط، وذلك بعد أن أدركت الولايات المتحدة والغرب أن الطريقة الوحيدة لإرساء الاستقرار في أفغانستان هي من خلال البحث عن مساعدة بلدان المنطقة. فرغم أنه ينظر إلى باكستان باعتبارها صاحبة التأثير والنفوذ الأكبر في ذلك البلد بسبب علاقات إثنية وحضارية وثقافية مع الأفغان، باتت الولايات المتحدة والبلدان الغربية ترى اليوم أن الهند لديها دور كبير لتلعبه هناك. والجدير بالذكر هنا أن الأميركيين كانوا في السابق حذرين من زيادة الحضور الهندي على التراب الأفغاني؛ غير أن ذلك التفكير تغير الآن، وأحد أسباب ذلك تراجع العلاقات بين الولايات المتحدة وباكستان. وفي هذا الإطار، شجع وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا خلال الزيارة التي قام بها إلى نيودلهي في يناير من هذا العام الهند على لعب دور أكثر نشاطاً مؤشراً بوضوح على التغير في موقف الولايات المتحدة. تركيز زيارة كرزاي إلى الهند كان منصباً بكل وضوح على مد جسور التواصل مع مديري الشركات الهندية وإقناعهم بالقدوم إلى أفغانستان، واغتنام عدد من الفرص المتوافرة هناك، ومن ذلك فرص الاستثمار في قطاع المناجم في المنطقة حيث يُعتقد أن البلاد تمتلك احتياطات معدنية تقدر بـ3 تريليونات دولار. وأثناء محادثاته مع رئيس الوزراء الهندي مانموهان سنج، ناقش كرزاي جملة من المواضيع شملت الوضع الأمني والسياسي في أفغانستان، وحتى في باكستان المجاورة. والجدير بالذكر هنا أن الهند هي أول بلد وقعت معه الحكومة الأفغانية اتفاقية استراتيجية. وكانت اتفاقية الشراكة الاستراتيجية هذه قد أثارت انتقادات قوية من باكستان التي من المعروف أن لديها حساسية كبيرة تجاه أي نشاط هندي في أفغانستان، حيث تنظر باكستان إلى الوجود الهندي هناك باعتباره تحدياً لنفوذها هناك لأنها تعتبر أفغانستان «عمقها الاستراتيجي». «اتفاقية الشراكة الهندية- الأفغانية» تشتمل أيضاً على تعهد من الهند بمساعدة أفغانستان في الجانب الأمني، ويشمل ذلك تزويدها بمعدات دفاع خفيفة علاوة على تدريب قوات الأمن والشرطة الأفغانية. ورغم أن الهند تقوم بتدريب القوات الأفغانية منذ وقت طويل، إلا أن هذا التدريب من المتوقع أن يزداد تحت «اتفاقية الشراكة». وقد كان لافتاً أن كلاً من الهند وأفغانستان التزمتا الصمت بشأن هذا الجانب من التعاون بينهما. وأحد أسباب ذلك هو رغبتهما في عدم إثارة مخاوف باكستان، لكن مما لاشك فيه أن العلاقات بين الهند وأفغانستان لا تزداد متانة فحسب، وإنما تزداد عمقاً أيضاً في وقت يقترب فيه موعد رحيل قوات الناتو وتبدأ فيه كابول الاستعداد لتولي أمورها وشؤونها بنفسها.