تشرفنا بحضور الأمير تركي الفيصل في الصالون الثقافي الذي ينظمة السفير زياد الدريس، مندوب المملكة العربية السعودية لدى اليونسكو، حيث كان اللقاء مع ضيف له ثقلة الكبير في علم الاستراتيجيات، وهو ضليع في خفايا الكثير من القضايا التي نشهدها في عالمنا العربي. وكما يقولون المجالس آمانات، فأنا أنقل بعض ما لفت انتباهي، ولا أحمِّل الأمير تركي رؤيتي لما أثير من قضايا دار حوار معمق فيها. كان تحليله حول «الربيع العربي»، الذي يراه ليس بربيع لكون الربيع يحمل الابتسامة، بينما حمل ربيع العالم العربي الدم في ثناياه، إلا إن ما قاله «الفيصل» حول موقف المملكة العربية السعودية من دعمها أو عدم تدخلها نعتبره جاء في موضعه. فالرؤية هنا جاءت بحكم الوفاء للأصدقاء، وهذا ما نجله للمملكة في موقفها المتضمن لقيم أخلاقية لا علاقة لها بالسياسة. ما أثاره «الفيصل» حول رداء الديمقراطية هو محل اعتبار، فالديمقراطية وليدة ثقافة وبيئة اجتماعية، وليس بالضرورة أن نقتبسها كما هي في المجتمعات التي ترعرت بها، وهي إشكالية اجتماعية حظت بمناقشات واسعة بين علماء الاجتماع. الفيصل أصاب المقصد عندما قال إنها وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية، فيصبح الهدف متجسداً في تحقيق العدالة الاجتماعية، وهنا ربما تتعدد وجهات النظر في كيفية تحقيق العدالة الاجتماعية، إذا ما اتفقنا عليها كقاعدة تبث الأمن السياسي والاجتماعي. ربما نحن نقلل من ثقافتنا العربية والإسلامية لأسباب متشابكة منها هوس التعلق بالثقافة الغربية، وإنْ كان اليوم لدينا ما يعرف بالثقافة الإنسانية التي نشترك فيها مع كثير من ثقافات الأمم. فالمشترك والخاص في الثقافة أهم المعضلات التي نسعى لتطويرها من حيث فهم العلاقة التفاعلية بينهما. اليوم، النكوص للهوية الخاصة ظاهرة عالمية، وبالتالي الانقسامات الاجتماعية في مجتماعتنا العربية تأتي ضمن هذا السياق، ومن ثم تأتي فكرة المواطنة، التي هي بنهاية المطاف تحقق لنا العدالة الاجتماعية. هناك من يقف مع التحولات العربية، وهناك من يقلل من أثرها وتداعياتها، ومن دون أن نقف هنا أو هناك، نجد أن العقل والمنطق يطرحان نفسهما حول وضع الدول العربية، فمحاولات التحديث منذ القرن التاسع عشر باءت بالفشل، وإن تجربتنا مع الدولة الوطنية في عهد الاستقلال ولدت، في بعض الأحيان، مشوهة مما يضع بعض بلاد العرب في موقع الحيرة، وأنه لا يعقل أن تبقى هذه البلاد في حالة غليان وتعيش إحباطات متكررة، ولا يعقل أن تبقى خارجة عن الخريطة العالمية، فهي دول تحمل تناقضات مختلفة. الوصف للحالة العربية بات في حالة عسيرة، فالخلط بين الشيء وضده أصبح هو حالنا، والعجز البنيوي على كافة المستويات يمثل لنا حالة فريدة تستوجب حكمة المبادرة التي توفر علينا الجهد وتحد من حالة العنف، وإنْ كان خافياً ومعتمراً بالنفوس. لعلنا نثير قضية خصوصية دول مجلس التعاون، فهي خصوصية العقد الاجتماعي والتراضي، وهو ما يشكل لنا دعامة لأمن المنطقة، ويستوجب مرونة في فهم ضرورة المبادرة وأخذ زمام قضايا الإصلاح، خصوصاً إذا اتفقنا على أنه لا ضرر من المراجعة، لكوننا كلنا بشر نخطئ ونصيب، والتنبيه يأتي من باب الحفاظ على عقدنا الاجتماعي.