وضع "فلاديمير بوتين" الطامح إلى أن يصبح ديكتاتوراً لروسيا، الرئيس بوش في وضع حرج، عندما جعله مضطراً لأن يثبت للعالم مجدداً مدى صدقه في الالتزام بقضية الديمقراطية في مختلف أنحاء المعمورة.
فالقرار الذي اتخذه الرئيس الروسي يوم الاثنين الماضي، والذي ينص على إيقاف العمل بنظام الاقتراع الشعبي المباشر عند انتخاب محافظي الولايات الروسية، وانتخاب البرلمان الروسي على أساس قوائم أسماء، يقوم قادة الحزب القومي الذي يتحكم في معظمهم باختيارها، يمثل إجراءً غير مفهوم، ويبدو كخطوة على طريق الطغيان والاستبداد في روسيا. وهذه الخطة لا يمكن تبريرها بالقول إنها جزء من "الحرب على الإرهاب"، لأنها جاهزة في درج مكتب "بوتين" منذ شهور. وبالتالي يكون التفسير الوحيد هنا هو أن "بوتين" يقوم ودون أدنى اعتبار للمشاعر، باستغلال الهجوم "الإرهابي" الفظيع الذي وقع في "بيسلان"، لغرض في نفسه هو. وليس هناك أي قدر من الصعوبة في فهم المغزى الحقيقي لأفعال "بوتين". فالحقيقة بوضوح هي أن "بوتين" يحاول فرض ديكتاتورية من الطراز القديم على الشعب الروسي مثل تلك التي فرضها "فرديناند ماركوس"، و"أناستاسيو سوموزا"، و"بارك تشنج" (رئيس كوريا الجنوبية من 1936-79) من قبله، تحت ذريعة "الحرب على الإرهاب". وليس هناك من شك في أن روسيا بحاجة ماسة لمحاربة "الإرهاب"، ولكن إلغاء الانتخابات وإقصاء الخصوم السياسيين شيء لا علاقة له بتلك الحرب.
والسؤال الذي ينبغي طرحه هنا هو: هل الرئيس بوش يهتم اهتماماً حقيقياً بمصير الديمقراطية في روسيا؟ علينا أن نذكر هنا، أنه قد قام ومنذ وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بإعلان استراتيجية كبرى للترويج للديمقراطية في مختلف أنحاء العالم. كما قام، وكان على حق في ذلك، بجعل مسألة إرساء الديمقراطية هي الهدف من تدخله في العراق، وهو الهدف الذي لا يزال- على الرغم من الأداء المعيب لمستشاري البنتاجون- هدفه الأساسي هناك. ولم يتوقف الأمر عند ذلك حيث أطنب بوش مراراً وتكراراً في الحديث عن خطط له هدفها ترويج الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير. وعلى رغم أن الجهود العملية المبذولة في هذا الشأن، أقل بكثير من مستوى الخطب المفرطة في مثاليتها، إلا أن هذا الهدف هو الآخر كان مهماً للغاية، ويستحق أن يبذل في سبيله الكثير. ويكفي في هذا السياق أن نعرف أن هناك ما يزيد على 10 ملايين شخص في أفغانستان، قاموا بتسجيل أسمائهم بالفعل في سجلات الناخبين الذين سيشاركون في اختيار رئيس للبلاد في التاسع من أكتوبر، وهو ما يمثل نجاحاً مذهلا لم يكن أكثر المتفائلين يتوقعونه.
وسياسة بوش الرامية إلى نشر الديمقراطية في جميع أنحاء العالم تعرضت للسخرية، من قبل مفكري السياسة الخارجية، من أتباع مذهب الواقعية السياسية، باعتبارها سياسية مثالية إلى حد خطير.
ولكن ما حدث على مدار العامين الماضيين، هو أن إدارة بوش تعامت تماماً عن الاتجاهات المناهضة للديمقراطية في روسيا. فعلى الرغم من أن وزير الخارجية الأميركي "كولن باول" قام بإصدار بيان شديد اللهجة، ضد معاملة "بوتين" لخصومه في الربيع الماضي، كما أعرب عن مخاوفه من أفعال "بوتين" منذ عدة أيام، إلا أن رد فعل البيت الأبيض كان فاتراً نسبياً، كما أن صوت الرئيس وهو الصوت الوحيد المهم، لم يُسمع حتى الآن.
والحقيقة أن رد الفعل المطلوب، يتوقف بالأساس على قدرة بوش على استجماع الإرادة اللازمة لشجب تصرفات الرجل الذي اعتبره حليفه في "الحرب على الإرهاب". إن البعض سيقولون، وهو ما قد يكون الشيء الذي يشعر به الرئيس بوش حقا هو أن (بوتين معنا وليس ضدنا). لا بأس، ولكن الرئيس بوش مطالب بأن يقوم الآن بإجراء عملية تقييم مختلفة للأمور في روسيا، لأن بوتين في الحقيقة (ليس معنا).
إن ما يحدث هو أن "بوتين"، ونتيجة لأن بلاده تواجه قوى إرهابية شريرة، وجد نفسه في حاجة لتعزيز سلطاته حتى يتمكن من التغلب على تلك القوى. ولكن السؤال هنا: هل سيساعدنا ذلك في "الحرب على الإرهاب"؟
لا لن يساعدنا بالطبع. بل سيضرنا. فعدم قيام الإدارة الأميركية بالوقوف مع القوى الديمقراطية في روسيا، سيلقي ظلالا من الشك حول مدى التزام بوش بقضية نشر الديمقراطية في أنحاء العالم. في هذا السياق أدلى أحد مسؤولي البيت الأبيض بتعليق لصحيفة "نيويورك تايمز" وصف فيها تصرفات "بوتين" بأنها "شأن داخلي لا يهم سوى الشعب الروسي...". هل صحيح أن الأمر كذلك؟ لو أن الأمر على هذا النحو حقاً، فإن نفس الشيء يمكن أن ينطبق على بقية الشعوب التي يتم استلاب حقوقها من قبل الطغاة والمستبدين الذين يحكمونها. وإذا ما تشبثت إدارة بوش بهذه الرؤية للأمور في روسيا، فإن القوى المعادية للديمقراطية في الشرق الأوسط ستشير إلى ذلك على أنه نموذج صارخ، لسياسة المعايير المزوجة، أو الكيل بمكيالين.
ويجب ألا يكون لدى الرئيس بوش ومستشاريه، أي شك في أن المصالح الأميركية الحيوية ستتعرض للخطر بسبب الصراع الذي يدور في روسيا. أن خوض "الحرب على الإرهاب"، يجب أل