كان الاستبداد ولا يزال موضوعاً أثيراً لدى الباحثين في شتى العلوم الإنسانية، بل هو السؤال المتجدد في أذهان الناس بلا انقطاع، وهو المرض الذي لا تكف عدواه عن الانتشار، وضرره عن التوالد، وبشاعته عن التناسل والتوغل في الأركان والأعطاف كافة. فهو لا يرتبط بالسلطة في أعلى مراتبها، بل إنه يطاردنا في جنبات الحياة الوسيعة بلا هوادة، وبقسوة ضارية. ومن بين المقاومين للاستبداد، قولًا وفعلًا، عبد الرحمن الكواكبي، الذي ذاق من المستبدين الأمرَّين، وقابل أذاهم بصبر وليس باستكانة، وقاوم على قدر ما استطاع من جهد. وبلغت مقاومته ذروتها في سِفره الخالد «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، وهو كتاب أحدث دوياً هائلاً حين رأى النور، وبلغت شهرته الآفاق، وكذلك كتابه الآخر «أم القرى»، ولكن الأول ظل يغالب الزمن، وتتجدد الحاجة إلى قراءته دوماً، لأنه يعالج موضوعاً غاية في الأهمية، وقضية يعيشها الناس عياناً بياناً، كما أنه كتاب بالغ الصدق، دقيق المنهج، إحاطي الرؤية، عميق الطرح، نابع من تجربة عميقة عاشها كاتبه، وكابدها، وعانى فيها عناءً شديداً، فجاء إبداعه على قدر المعاناة، وجاءت استجابته على قدر التحدي. فعبد الرحمن بن أحمد بن مسعود الكواكبي (1849 ـ 1902) ظل طيلة حياته مطارداً من كارهي العدل والحرية وأعداء الإصلاح السياسي والديني، فسجنوه وتسببوا في خسارته لكل ماله، وخروجه من مسقط رأسه في حلب ليسيح في مشارق الأرض ومغاربها، حيث زار بلداناً لم تكن تقع تحت السلطة المباشرة للعثمانيين في العالم العربي وشرق أفريقيا ودولاً في جنوب شرق آسيا منها الهند والصين، وانتهى به المطاف في القاهرة، التي توفى فيها متأثراً بسم دس له في فنجان من القهوة، ودفن فيها، ورثاه كبار رجال الأدب والفكر في مصر والشام، بعد أن ذاع صيته في مصر وبلغ الآفاق، وتتلمذ على يديه كثيرون. وقد نُقش على قبره بيتان لحافظ إبراهيم: هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى... هنا خير مظلوم هنا خير كاتب قفوا واقرأوا أم الكتاب وسلموا... عليه فهـذا القبر قبـر الكواكبي. وظل الكواكبي طيلة حياته معارضاً للسلطة المستبدة، وعبر عن موقفه هذا في كل ما كتبه بصحيفة «الفرات» الحكومية، ثم بصحيفتي «الشهباء» و«الاعتدال» اللتين أنشأهما وأراد لهما استمراراً وذيوعاً، ولكن السلطة لم تتحملهما، فأغلقت الأولى وعطلت الثانية. وعلاوة على الكتابة في الصحف ألف الكواكبي أيضاً العديد من الكتب منها إضافة إلى «طبائع الاستبداد» و«أم القرى» أيضاً «العظمة لله» و«صحائف قريش». ولم يكتف بالكتابة بل أنشأ النوادي التحديثية والجمعيات الخيرية التي عكفت على توعية الناس، وتحرير عقولهم من الأساطير والخرافات التي رانت عليها، ومن حالة الاستكانة والخمول التي حلت فيها، ومن الجبن والخور اللذين ألمّا بها. وفي فترة من حياته عين عضواً في لجنتي المالية والمعارف العمومية في حلب، والأشغال العامة، ثم عضواً فخرياً في لجنة امتحان المحامين بالمدينة ورئيساً لبلديتها، ولكن تضييق السلطة عليه، جعله يترك الوظيفة الحكومية، ويشتغل بالمحاماة، ليكرس جهده للدفاع عن المظلومين والمحرومين، حتى لقبه الناس بـــ «أبي الضعفاء». وقبل هذه الخبرة الحياتية العميقة، جمع الكواكبي معرفة مستفيضة وشاملة، مستفيداً من ولادته في مدينة كانت أيامها زاخرة بالعلماء والفقهاء والأدباء، فدرس الشريعة والأدب وعلوم الطبيعة والرياضة في المدرسة «الكواكبية»، التي كان يشرف عليها ويدرس فيها والده، ثم راح ينهل على قدر استطاعته من الكتب التي حفلت بها «المكتبة الكواكبية» لاسيما في التاريخ والاجتماع والفلسفة والسياسة واللغة والأدب والاقتصاد أيضاً. وقد انعكست هذه الموسوعية على كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» فأتى عميقاً في معناه ومبناه، قوياً في حجته، شاملًا في طرحه، واضحاً جلياً في مساره، ناصعاً في برهانه، سلساً في منطقه، وكأن الكواكبي قد كتبه للأيام التي جاءت بعده، والتي نعيشها الآن، والتي ستعقب عيشنا هذا. فالكتاب في موضوعه ولغته سيظل يقرأ إلى قيام الساعة. فلا الاستبداد سيموت كاملًا، ولا الحاجة إلى مقاومته ستخمد أبداً. وربما هذا ما راهن عليه الكواكبي وهو يكتب بدمه وعقله ووجدانه من وحي ما قرأ وطالع، وما عاش وخبر، وما سمع ووعى، سطوراً مسبوكة عميقة، كل جملة فيها وحدة كاملة للمعنى، بها رأيٌ سديد أو حكمة سابغة أو طلب مؤثر أو دعوة آسرة. ولهذا صَعَّب الكواكبي على كل من يحاول بعده أن يلخص كتابه أو يختصره، بينما فتح باباً واسعاً لكل من يحاول أن يغترف من الكتاب أو يقتطف معاني وحكماً ومأثورات وصرخات وأمثلة ونماذج وأقوالاً مصنوعة بعناية ومنحوتة بروية، بادئاً بتعريف جامع مانع للاستبداد، ثم تعقب آثاره في مجالات عديدة منها الدين والعلم والمال والمجد والأخلاق والتربية والترقي، وكذلك تأثير كل هذا على خلق الاستبداد والمستبدين، ثم ينتهي بوضع مقترح للتخلص من هذا الداء العضال. وفي كل هذا يستفيد الكواكبي من عطاء علوم عدة، الاجتماع والسياسة والاقتصاد والقانون والفقه والأدب والتاريخ وعلم النفس والفلسفة، ليخرج في النهاية لجيله ومن لحقوا به ونحن والأجيال القادمة سبيكة نفيسة وزاهية ورائقة، تنفع الحاكم الذي يريد أن يتجنب الوقوع في فخ الاستبداد، والمحكوم الذي يسعى إلى طريقة لمقاومة ومناهضة ومناقضة المستبدين. ولهذا لا تصلح قراءة هذا الكتاب إلا كاملًا، فبعضه يضيف إلى بعضه الآخر، يكمل ناقصه، ويجلو غامضه، ويجيب على استفهاماته. وهو في كل الأحوال واحد من الكتب التي لا تبلى بمرور الزمن، ويبقى تأثيرها دائماً، والحاجة إليها قائمة، ما دامت أنظمة الحكم متواجدة ومتعاقبة، وما دامت الشعوب تتطلع إلى العدل والحرية.